ديوانية بني مالك 
 عدد الضغطات  : 915 رحلة الأقصى في كتاب الكتروني 
 عدد الضغطات  : 848 مركز تحميل بني مالك 
 عدد الضغطات  : 5084  
 عدد الضغطات  : 1892

العودة   منتديات بني مالك الثقافية > دائـــــــــرة السيـــــاســـــــة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-02-2011, 11:59 PM   المشاركة رقم: 1

معلومات العضو

الكاتب:
الكثيري
اللقب:
شخصية VIP
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الكثيري

بيانات العضو

التسجيل: Jun 2006
العضوية: 2031
المواضيع: 189
المشاركات: 4964
المجموع: 5,153
مشاركات اليوم: لايوجد
بمعدل : 1.10 يوميا
نقاط التقييم: 10

آخر مواضيعي


احفظ وشارك

تابعني على:

تابعني على:
مواقع النشر:
Bookmark and Share
 

معلومات الإتصال

وسائل الإتصال:
الحالة:
الكثيري غير متصل

المنتدى : دائـــــــــرة السيـــــاســـــــة
Mumayaz للمؤرخ العراقي د / جمال مظهر .. ميكافيلي والميكافيلية !



ميكافيلي والميكافيلية

للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر

قاعدة الغاية تبرر الوسيلة مقيدة بضوابط اخلاقية رفيعة





مثلما سلط غاليلو منظاره الي الكواكب، فوجد انها مجبولة من ذات التربة التي تكونت منها الارض، سلط ميكافيلي منظاره الي الملوك، فوجد انهم يتصرفون مثل الوحوش في الغلاة. كلاهما بدأ تاريخا جديدا في مجاله، وكان من اسباب ظهور نظرة جديدة الي الطبيعة والمجتمع. وكلاهما اسيء فهمه واضطهد.

لكن اذا كان غاليلو سرعان ما أعيد اعتباره، فان شيطنة ميكافيلي بقيت خصوصا في اذهان الشرقيين متجسدة كما كانت في اوروبا القرون الماضية.

ولعل المؤرخ العراقي د. كمال مظهر قد اخذ علي عاتقه مهمة استعادة الصورة الحقيقية لميكافيلي في اوساط الرأي العام العربي، من خلال كتابه الموسوم (ميكافيلي والميكافيلية) الذي صدر عن دائرة الشؤون الثقافية والنشر في بغداد عام 1984. ولمحدودية توزيع الكتاب، ونفاده الفوري، وعدم ظهور مؤلفات اخري في اطار المسعي نفسه، تعيد القدس العربي نشر هذا الكتاب المفيد.




نبذة عن حياة ميكافيلي

ولد نيكولو دي بيرناردو ميكافيلي في 3 أيار (مايو) 1469 بمدينة فلورنسة الواقعة في وسط ايطاليا. وهو ينتمي الي اسرة توسكانية نبيلة عريقة شغل افرادها علي مدي عقود طوال مراكز حساسة، فأصبحوا بحكم ذلك في معمعان الحياة السياسية الفلورنسية النشطة حتي ان عائلة جده الاكبر قد تعرضت للنفي من المدينة من جراء ذلك في العام 1260، وقضي أحد أسلافه نحبه في السجن. وقد تدهور الوضع المالي لأسرة ميكافيلي قبل مجيئه الي الحياة مما ترك بعض الاثر علي تصرفاته كما نلاحظ ذلك فيما بعد.

لقد ترعرع ميكافيلي في كنف السياسة والثقافة. فان والده كان محاميا معروفا، وكانت أمه تقرض الشعر. ومع ان المعلومات فيما يتعلق بالفترة المبكرة لحياة ميكافيلي غير متوفرة بشكل يمكن من خلاله القاء أضواء كافية علي مصادر ثقافته الاولية، الا ان مما لا شك فيه انه تلقي تعليما جيدا بالنسبة لعصره اذ درس القانون والتاريخ (1)، وفي السابعة من عمره بدأ بتعلم اللاتينية (2) ـ لغة العلم والثقافة آنذاك ـ وفي بداية شبابه أظهر ميكافيلي الميل نحو الثقافتين القديمة والحديث، فقرأ خطب الكاتب والخطيب الروماني المعروف شيشرون (106 ـ 43 ق.م.) ودرس مؤلفات ارسطو وتابع باهتمام مؤلفات رائدي النهضة دانتي (1265 ـ 1321) وبترارك (1304 ـ 1374).

الا ان مدرسة ميكافيلي الاساسية كانت شوارع مدينة فلورنسة التي منحت العالم ابرز عباقرة النهضة من امثال دانتي وليوناردو دافنشي وميخائيل انجيلو وغيرهم، فان هذه المدينة تميزت عن غيرها من المدن الايطالية بنشاطها السياسي الواسع الذي لم يقتصر علي النخبة، كما كان عليه الامر في مدينة البندقية المهمة مثلا، بل زاوله كل فلورنسي ففي هذه المدينة كان الجميع ساسة حسب وصف أحد المؤرخين (3). وفعلا شهدت شوارع فلورنسة احداثا سياسية متلاحقة مليئة بالدروس والعبر تركزت في ذاكرة الناس فكانوا يرددونها ويقرنون بها احداثهم الحياتية الخاصة.



أخلاقه



عينان براقتان تنمان عن نظرة ثاقبة معبرة، طول متوسط وشفتان دقيقتان تفصح ابتسامتهما عما كان يجول في أعماق نفسه ـ هكذا تصف المصادر المظهر الخارجي لميكافيلي مستندة في ذلك الي ما كتبه عنه معاصروه والي لوحات بعض رسامي عصر النهضة. وكان يختفي وراء هذا المظهر عالم زاخر مليء بالقيم. فقد عرف ميكافيلي بسرعة البديهة بشكل نادر وبتأثيره علي مستمعيه وباجادته للحديث الجاد والمرح مع مختلف المستويات بدءا بحطابي قريته ومرورا بأمراء ايطاليا وانتهاء بملوك اوروبا، محاولا، في كل الاحوال، ان يكون مرغوبا قريبا الي قلوب الآخرين.

كان ودودا في غاية الاخلاص لأصدقائه، يأتي كل ما في وسعه عملا وقولا، من اجل خيرهم ورفعتهم. وكان بعيدا عن القسوة في حياته ويعطف علي كل ضحية بريئة مما يبدو جليا من رسائله الكثيرة لاصدقائه. أما في صراحته فلم يضاهه احد من اعلام عصره (4). وهو، الي جانب كل ذلك، كان شكوكيا وسواسا. ومع انه قال عن نفسه ذات مرة ولدت فقيرا فتعلمت الحاجة قبل المتعة (5) الا انه عرف الاخيرة في الحياة وفهمها فهما ايطاليا اصيلا. كان يحب الحياة، سخيا لا يعرف للبخل معني، فيصرف علي نفسه وأصدقائه دون تردد (6). ومع انه كان زير نساء وعاشقا للجمال الا انه لم يفقد القيم ابدا ولم يفسح المجال لأمر ما ان يفسد عليه حياته العائلية فأسبغ علي اولاده الستة حنان الاب الرؤوف ومنح زوجته كل رعاية وحب. وجاءت طموحاته الواسعة متوافقة تماما مع عبقريته الفذة وحبه الجم للعمل واسداء الخدمات علي احسن وجه.

جعل كل ذلك نيكولو يبدو غريبا في مجتمع كانت بقايا الفكر الاقطاعي، ولا سيما فرديته ونفاقه، تطغي علي عقول الجانب الاكبر من اصحاب الكلمة والفكر فيه. فقد كان ضعاف النفوس من اقرانه يحسدونه ويحاولون النيل منه عن طريق خلق المشاكل له واشاعة الرذائل عنه والطعن في اخلاصه، فلم يجد من الاصدقاء المخلصين ـ لا سيما بعد نفيه ـ سوي الذين كانوا علي مستوي تفكيره او من كانوا في اخلاقهم ارفع من ان يسمحوا لأنفسهم بالتحلل والانحطاط، ويأتي علي رأسهم المؤرخ المعروف كويجارديني والدبلوماسي الفلورنسي فرانسيسكو فيتوري. وكما يقول عنه المؤرخ. أ. ك. جيفيليكوف انه كان وحيدا لكنه كان ارفع من الآخرين (7).

كان حساد ميكافيلي يأخذون عليه صراحته المطلقة. والواقع انه لم يستطع ان يخفي حبه وامتعاضه عن الآخرين، فكانت ملامح وجهه وابتسامته الساخرة او العطوف تعبر عنهما حتي وان حاول هو اخفاءهما عبثا. لذا فانه بدا شاذا في وسط كان اغلب مثقفيه يتلونون كالحرباء ويتزلفون لكل قوي، مركزا وجاها وان كان الاضعف قيما. وعندما اضطر ان يجاري المنافقين علق بنفسه ساخرا فكتب يقول:

منذ زمن بعيد لا اقول ما افكر فيه ولا افكر مطلقا فيما اقول واذا حدث لي مرة ان اقول الحق فانني اغلفه بغطاء من الاكاذيب بحيث يصعب بلوغ كنهه (8).

وقد اتهموه بالسخرية التي لم تكن، حسب وصف احد المؤرخين الطليان، سوي التعبير الامين عن ايمان شخص كان يثق مخلصا بمنطقه الخاص ، فهو لم يكن يخفي ما كان يخفيه غيره وان اخفي فانه انما كان يخفي من صفاته الجليلة ما جعلت طيبته تبدو للعيان دون حقيقتها (9).

غالبا ما لجأ حساد ميكافيلي الي اساليب وضيعة للنيل منه ولتشويه سمعته. فانهم، اتهموه بالجشع الذي دفعه ـ حسب ادعائهم ـ الي الزواج من ماريا كورسيني طمعا في ثروتها في الوقت الذي بلغت قدسية الرابطة بين الزوجين الحد الذي ظلت فيه وفية له كل الوفاء حتي الرمق الاخير، بحيث اوصي لها في أول وصية له بالصداق الكامل علي ان تنتفع هي وأولادهما فقط بما يترك بعد الموت. وعلي مدي ثلاثة وعشرين عاما ظلت علاقات نيكولو وماريا علي افضل ما يكون. وكما تبين رسائله فانه كان في كل سفرة له يتحرق للعودة سريعا الي اسرته التي كانت تنتظره ايضا بتلهف كبير، ولا سيما زوجته التي كان يسميها مداعبا اياها بـ قائدنا la brigata(10).وبالرغم من نجاحاته المشهودة في حياته العملية فان البعض حاولوا القاء ظلال من الشك عليها، ولا سيما نجاحاته في اعماله الدبلوماسية (11)، غير انها كانت ظلالا باهتة.

ولَّد هذا الموقف غير النبيل من لدن اقرانه ومعارفه، مع مشاكله الخاصة، بعض التشاؤم في نفس ميكافيلي فقد غدا يعتقد ان الحسد غريزة متأصلة في طبيعة الانسان وبأن شيمة الجنس البشري عامة الميل الي التقليل من اعمال بعضهم البعض اكثر من الميل الي اطرائها المطارحات (12) لكن ميكافيلي نفسه لم يكن من الطراز الاخير من الناس لأنه كان مدفوعا دائما بالرغبة الطبيعية في العمل دون اكتراث بأي شيء آخر، لما فيه خير المجموع (المطارحات). لذا كان من المنطق ان يعطي التاريخ حكمه العادل: افلت اسماء حساد ميكافيلي وكأنها لم تكن ليبقي نجمه صاعدا في سماء ايطاليا الصافية واسمه حيا في كل محفل فكري وسياسي. فهو حتي اليوم يتحكم بشكل او بآخر في السياسات من اعماق قبره، وتفرض آراؤه نفسها علي كل مفكر سياسي.

بالرغم من امكاناته وفكره الثاقب فان ميكافيلي لم يحتل في وقت مبكر المكان المرموق اللائق به في جهاز الحكم والوسط السياسي الفلورنسي. والسبب في ذلك يعود بالاساس الي افتقاره للوسيلة، او للوسيط الذي كان بامكانه ايصاله الي مسرح الاحداث. وعندما بلغ اعتاب الاخير كان يبلغ من العمر 29 عاما وقد سبقه الاخرون الي المراكز الحساسة فيه. مع ذلك من الطبيعي ان يثبت نيكولو وجوده ويفرض نفسه بسرعة. فان الرجل، كما ذكر عن نفسه، قد شاء له طالعه ان لا يستطيع الحديث عن فن صناعة الحرير، ولا عن فن نسج الصوف (13)، ولا عن الربح او الخسارة، بل عن موضوع واحد هو قضايا الدولة.. (14). لذا فعندما عهد اليه بمنصب سكرتير مجلس العشرة في تموز (يوليو) 1498، اثر اعلان النظام الجمهوري في فلورنسة، اثبت جدارة فائقة في كل ما قام به بحيث طغي علي الاخرين مباشرة. انه لم يحرر قبل ذلك التاريخ اي تقرير رسمي ولم يخطب في اي مكان، ولكن مع ذلك فان الصياغة الرصينة لأولي كتبه الرسمية تبين وكأن له تجارب السنين المتراكمة في هذا الميدان (15).

ولم تكن مهمته قليلة الشأن، فان مجلس العشرة كان يشرف علي الشؤون العسكرية والعلاقات الخارجية للجمهورية التي عاشت احداثا حاسمة، لا سيما بسبب تشابك علاقات فلورنسة مع حكومات المدن الايطالية وجراء الاطماع الاجنبية في كل البلاد التي تمخضت عنها سلسلة حروب مستمرة اصطدمت فيها مصالح الدولتين الاوروبيتين القويتين اسبانيا وفرنسا. وقد تعزز موقف ميكافيلي اكثر عندما اختير صديقه بييرو سوديريني (Soderini) رئيسا للمجالس فأضحي ضمن واضعي سياسة الجمهورية ومخططيها. ظل ميكافيلي في وظيفته حوالي خمسة عشر عاماً قام خلالها بأربع وعشرين بعثة دبلوماسية هيأت له ظروف الاتصال المباشر بأهم الشخصيات الايطالية والاوروبية يومذاك منهم البابا وملك فرنسا وامبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة. وقد اكتسب ميكافيلي خلال سفراته هذه خبرات واسعة بان وقف عن كثب علي خفايا العلاقات الدولية وأساليب الحكم الاوروبي. فانه زار البلاط الفرنسي وحده اربع مرات استغرقت اشهرا عدة عرف خلالها عادات الفرنسيين ودسائس البلاط وغيرها من مقومات حكمهم مما انعكس، مع تجاربه الاخري، في مؤلفاته بشكل واضح. فخلال سفراته الدبلوماسية ادرك ميكافيلي ان في هذا العالم شيئا يستحق التأمل والتقصي عنه (16).

سقط النظام الجمهوري في فلورنسة عام 1512 وعادت اسرة ميديتشي الي الحكم بفضل القوات الاسبانية الغازية، فالتجأ سوديريني الي الممتلكات العثمانية وهرب آخرون من رجال الحكم، اما ميكافيلي الذي بذل كل ما في وسعه للحيلولة دون سقوط الجمهورية فقد أبعد عن وظيفته. وفي بداية العام 1513اتهم بالاشتراك في مؤامرة استهدفت نظام ميديتشي الارهابي فاعتقل وتعرض للتعذيب ست مرات خلال وجوده في السجن، واخيرا تقرر نفيه الي مسقط رأسه قرية سانتا كروس المجاورة لمدينة فلورنسة.




آراء ميكافيلي السياسية


يمكن الوقوف علي آراء ميكافيلي السياسية من خلال دراسة ثلاثة من اهم مؤلفاته الاربعين ـ الامير و المطارحـــات و فن الحرب مع مجموعة رسائله التي بعثها الي اقـــــرب اصدقائه في ظروف متباينة.

يعتبر الامير من اصغر مؤلفات ميكافيلي حجما واكثرها شهرة (18). ومع ان مؤلفاته الاخري لا تقل خطورة عن الامير الا ان المرء عندما يقرأه يشعر حقا ان السنين الخمس عشرة التي كرسها ميكافيلي لادارة قضايا الحكم لم تذهب سدي كما يقول ذلك بنفسه (19).

بدأ تداول هذا الكتاب بشكل مخطوط في حياته علي نطاق واسع، وقد طبع لأول مرة في العام 1532، اي بعد وفاة صاحبه بخمس سنوات. وسرعان ما ترجم الي جميع اللغات الاوروبية ومن ثم الاخري وأعيد طبعه عشرات المرات، بل واكثر، وحظي بدراسة المئات من المفكرين والساسة والمؤلفين، وهو اليوم يدخل ضمن مواد التدريس في العديد من المؤسسات الاكاديمية المعروفة، منها جامعة اكسفورد والجامعة الامريكية ببيروت وغيرهما. وقد دفع كل ذلك بالمختصين الي اعتبار الامير نتاجا خالدا عن حق من بين نتاجات النهضة الايطالية المعطاة (20).

اعتبر ميكافيلي في البداية، الجمهورية نظاما امثل للحكم. لكن بعد تحليله للاوضاع القائمة في ايطاليا التي كانت في عهده مقسمة علي خمس دول هي مملكة نابولي في الجنوب ودوقية ميلان في الشمال الغربي وجمهورية البندقية الارستقراطية في الشمال الشرقي وجمهورية فلورنسة والدولة البابوية في الوسط، والتي كانت علاقاتها تتسم باستفحال الحروب والخلافات فيما بينها مما جعل كل الوطن هدفا سهلا للغزو الاجنبي المستمر، توصل ميكافيلي في الامير الي الاستنتاج بأن خير نظام يمكنه تحقيق وحدة ايطاليا والذود عنها هو ذلك النظام الذي يستند الي سلطة مركزية دكتاتورية مطلقة قوية لا تقف في سبيلها الاعتبارات الدينية والدنيوية والاخلاقية، فان مصالح الدولة العليا، وبوجه خاص وحدة البلاد، تبرر رأيه لجوء الامير الي جميع السبل كاستخدام القوة التي تشكل ـ كما كان يؤكد ـ اساس الحق، والقسوة والاغتيال وخيانة العهد والقسم والتوسل بالتضليل والرشوة والركون الي الخديعة والكذب والنفاق، اي ان الغايات السامية تبرر الوسائل ايا كانت. وهو كان ينصح الامير بألا يخجل في اختيار اي اسلوب مهما تدني لتحقيق اهدافه وطموحاته السياسية، فالحاكم الناجح هو الذي يلجأ الي الاساليب الانسانية والحيوانية حسب الظروف والحاجة ويعرف كيف يجمع بين خدع الثعالب وفورات الاسود لأن المحك والاساس لتقييم السياسة هو النجاح.

وبالاستناد الي ذلك بشكل مجرد وبفضل انتقاء الحكام من افكار ميكافيلي ما كان يناسبهم حسب طريقة ولا تقربوا الصلاة ظهر فيما بعد مصطلحا الميكافيلية و المكيافيلي ويطلق الأول عادة علي السياسة التي لا تعير القيم الاخلاقية اي اعتبار ويطلق الثاني علي الشخص الذي يتبني مثل تلك السياسة.

ولكن ذلك لا يعدو كونه ذروة المكيافيلية بصورتها المشوهة. فان الرجل لم يطلق آراءه الخطيرة تلك دون ضوابط اخلاقية رفيعة او تفسيرات منطقية تبين الامور علي حقيقتها وتضع السياسة في اطارها الواقعي زمانا ومكانا. فالخير، كل الخير للامير في ان يتظاهر بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الانساني النبيل والاخلاص والتدين وان يكون فعلا متصفا بها ولكن عليه ان يعد نفسه عندما تقتضي الضرورة ليكون متصنعا بعكسها ، لذا فان من واجب الامير ان يجعل عقله مستعدا للتكيف مع الرياح، ووفقا لما تمليه اختلافات الجدود والحظوظ وان لا يتنكر لما هو خير، كما قلت، اذا امكنه ذلك، شريطة ان ينزل الاساءة والشر، اذا ما اضطر الي ذلك وضويق (الامير ـ الباب الثامن عشر).

والواقع ان التاريخ لم يعطنا مثلا واحدا لم ينزل فيه الامير، وحتي غير الامير، الاساءة والشر، اذ اما اضطر الي ذلك وضويق ، فهذه حقيقة تكاد تكون سمة ملازمة لطبائع الناس شئنا ام أبينا، اعترفنا ام بررنا. فلا تكمن الخطورة اذن، في هذا الجانب من آراء ميكافيلي الذي رأي مثل غيره ولكنه لم يسكت، علي العكس من غيره. انما تكمن المأساة في ان القيم والضوابط التي أراد ميكافيلي ان يتصف بها الامير في الظروف الاعتيادية ـ الرحمة وحفظ الوعد والشعور الانساني النبيل والاخلاص والتدين ـ اندر في بطون التاريخ من الماء في الصحراء. فلو عمل كل امير بآراء ميكافيلي لتقلصت الصفحات السود في سجل التاريخ الي حد كبير.



الأمير ... الحق



والآن لنمض مع ميكافيلي في كتابه الامير ولنر ما يضع لأميره الجديد من خطوط ودورس. فعلي الامير ان يكون حريصا، علي ان لا يفضح نفسه باقواله وعليه ان يجعل الناس يرون فيه، ويسمعون منه الرحمة مجسدة، والوفاء للعهود والنبل والانسانية والتدين (الامير ـ الباب الثامن عشر). وعليه ان يتجنب كل ما يؤدي الي تعرضه للاحتقار والكراهية ، وهو يتعرض للكراهية اذا اصبح سلابا نهابا، يغتصب ممتلكات رعاياه ونساءهم، وهو ما عليه تجنبه . وقد يعتبر الامير دنيئا حقيرا اذا رأي الناس فيه تقلبه، وتفاهته، وتخنثه، وجبنه، واستخذاءه، وهي امور يجب ان يقي الامير نفسه منها، علي اعتبار انها الصخرة التي تمثل الخطر، وان يدبر امره، بحيث تبدو من اعماله مخائل العظمة والحيوية، والرصانة والجلد . اما بالنسبة الي حكم رعاياه فعلي الامير ان تكون احكامه مبرمة لا تقبل النقض، وان يتمسك بقراراته، فلا يسمح لانسان بخديعته او الاحتيال عليه (الامير ـ الباب التاسع عشر).

وقد استهدف ميكافيلي من هذه الشروط ان يكون الشعب راضيا عن الامير، ورأي في هذا شرطا اساسيا من شروط الحكم الراسخ الناجح. فان رضا الشعب من اهم المواضيع الذي يتحتم علي الامير العناية به ، ذلك لأن علي الامير ان لا يخشي كثيرا من المؤامرات اذا كان الشعب راضيا عنه، اما اذا كان مكروها، ويحس بعداء الشعب له، فان عليه ان يخشي من كل انسان ومن كل شيء ، فالقلاع مهما حصنت لا تحمي الامير فيما لو غض الطرف عن كراهية شعبه (21) او حبه (الامير ـ الباب التاسع عشر والباب العشرون). وأفضل للامير ان يصل دست الحكم بمساندة الشعب من مساعدة النبلاء (الامير ـ الباب التاسع). والامير الذي لا يستطيع كسب شعبه الي جانبه بواسطة المشاريع النافعة له فانه يضطر الي الوقوف دائما وسيفه في يده (الامير ـ الباب الثامن). ومن الضروري جدا ان يكون الامير مثقفا، فعليه ان يقرأ التاريخ وان يدرس اعمال الرجال البارزين، فيري اسلوبهم في الحروب، ويتفحص اسباب انتصاراتهم التي ادت الي الهزائم (الامير ـ الباب الرابع عشر).



رجال الأمير



أراد ميكافيلي من الامير الجديد ان يقيم جهازا متكاملا للادارة، يعهد بشؤونه الي اناس قديرين لا شائبة فيهم، فيضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وعليه ان يظهر نفسه دائما ميالا الي ذوي الكفاءة والجدارة وان يفضل المقتدرين، ويكرم النابغين في كل فن (الامير ـ الباب الواحد والعشرون). وهذه المسألة خطيرة في بابها لأن الانطباع الاول الذي يتولد لدي الانسان عن الامير وعن تفكيره، يكون في رؤية اولئك الذين يحيطون به. فعندما يكونون من الاكفاء والمخلصين، يتأكد الانسان من حكمة الامير، لأنه استطاع تمييز هذه الكفاءة والاحتفاظ بهذا الاخلاص . ويجب الا يكون هؤلاء من المتزلفين والمتملقين والمنافقين المداهنين الذين تغص بهم بلاطات الملوك والامراء (الامير ـ البابان الثاني والعشرون والثالث والعشرون). ولكن علي هؤلاء ان يعلموا جيدا ويدركوا بأن وزنهم انما يعتمد علي الموقف الذي يتبناه الامير في ضوء اخلاصهم وتفانيهم له ولنظامه. وعلي الامير لكي يحتفظ بولاء وزيره واخلاصه، ان يفكر به، وان يغدق عليه المال ومظاهر التكريم، مبديا له العطف، ومانحا اياه الشرف، وعاهدا اليه بالمناصب ذات المسؤولية، بحيث تكون هذه الاموال ومظاهر التكريم، المغدقة عليه كافية، تحول دون ان يطمع بثروات او القاب جديدة، وبحيث تكون المناصب التي يشغلها مهمة الي الحد الذي يخشي عنده علي ضياعها (الاميرـ الباب الثاني والعشرون).

ومن المنطلق نفسه يجب علي الامير ان يختار لمجلسه حكماء الرجال، ويسمح لهؤلاء وحدهم بالحرية بالحديث اليه ومجابهته بالحقائق، علي ان تقتصر هذه الحرية علي المواضيع التي يسألهم عنها، ولا تتعداها. ولكن عليه ان يسألهم عن كل شيء وان يستمع الي آرائهم في كل شيء، وان يفكر في الموضوع بعد ذلك بطريقته الخاصة. وعليه ان يتصرف في هذه المجالس، ومع كل مستشاريه، بشكل يجعل كل واحد منهم واثقا من انه كلما تكلم بصراحة واخلاص، كان الامير راضيا عنه. وعليه بعد ذلك ان لا يستمع الي اي انسان، بل يدرس الموضوع بنفسه في ضوء آراء مستشاريه، ويتخذ قراراته التي لا يتراجع عنها . ولا بد للامير الحديث ان يقبل النصيحة دائما. ولكن عندما يريد هو، لا عندما يريد الاخرون، بل عليه ان لا يشجع مطلقا المحاولات لاسداء النصيحة اليه، الا اذا طلبها. ولكن عليه ان يكثر من سؤالها وان يحسن الاصغاء الي الحقائق التي تسرد عليه عندما يسأل عنها (الامير ـ الباب الثالث والعشرون). ومع ذلك عليه ان يكون حذرا في تصديق ما يقال له، وفي العمل ايضا، دون ان يخشي ظله .



ضوابط ثابتة

وعلي الامير ان يضع لكل شيء ضوابط ثابتة مع مراعاة الحاجات والظروف دائما. فللسخاء والبخل حدودهما، وللطيبة مداها الذي يجب ان ينتهي قطعا عند الاصطدام بمصالح الدولة. فمن الضروري لكل امير يرغب في الحفاظ علي نفسه ان يتعلم كيف يبتعد عن الطيبة والخير، وان يستخدم هذه المعرفة او لا يستخدمها، وفقا لضرورات الحالات التي يواجهها (الامير ـ الباب الخامس عشر). ولكن عليه ان يحاول حصر هذا الابتعاد الاضطراري الي أقصي حد وينتهي مع ضمان الاستقرار والامن ، بل يستبدل في الحال بتدابير نافعة للرعايا الي اقصي حد ممكن (الامير ـ الباب الثامن).

كرر ميكافيلي الافكار نفسها بعمق اكبر في كتابه الآخر المطارحات الذي قضي حوالي خمسة اعوام في تأليفه جامعا فيه آراءه في السياسة وأصول الحكم والاخلاق والعلاقات الدولية وغيرها مستندا في تقييماته الي تجارب روما القديمة. واهم ما يستخلصه قارئ المطارحات (22) هو ان الفضيلة المثلي لكل مواطن تقاس بمدي تكريس ذاته لخدمة الصالح العام. ويحسن المرء في المطارحات ، كما في الامير ، بجدية ميكافيلي في البحث عن النظام الامثل الذي كان يحلم باقامته في ايطاليا. فلا ريب في انها حكومة سعيدة تلك الحكومة الشعبية التي تخرج رجلا حكيما يستطيع الناس الحياة بأمن ودعة في ظل القوانين التي يضعها لها والتي لا يضطرون الي تقويمها (المطارحات، الكتاب الاول ـ 2) ومرة اخري نري الامير الانموذج في المطارحات هو ذلك الذي يجعل من الشعب كله صديقا له (المطارحات، الكتاب الاول ـ 40). بل ان ميكافيلي يذهب هنا الي مدي ابعد مما جاء في الامير بصدد موقع الشعب من السلطة. فان الرجل العاقل لا يتجاهل الرأي العام بالنسبة الي المسائل المعينة والجزئية، كمسألة توزيع المناصب والافضليات والترقيات، اذ ان الشعب هنا، عندما يترك الي نفسه، لا يخطئ ابدا، واذا ما اخطأ احيانا، تكون اخطاؤه نادرة اذا ما قورنت بالاخطاء التي ستقع حتما لو ان القلة هي التي قامت بمثل هذا التوزيع (المطارحات، الكتاب الاول ـ 47).

وفي المطارحات يشدد ميكافيلي من جديد علي ضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب والاستفادة الي اقصي حد من الكفاءات والعبقريات الشابة فعندما يتميز شاب بالفضيلة التي رافقت عملا عظيما من اعماله، يغدو موضع حديث الجميع، فان من العار كل العار ان لا تنتفع الدولة من خدماته، وان يضطر هذا الشاب الي الانتظار حتي يكبر سنه، في غضون ذلك قد فقد ما يميزه من نشاط عقلي ومن سرعة في العمل، كان في وسع بلاده ان تستغلهما في الوقت المناسب استغالا نافعا (المطارحات، الكتاب الاول ـ 60).



لماذا وكيف شوهت سمعة ميكافيلي؟

نجم تشويه سمعة ميكافيلي عن عوامل ومنطلقات متباينة نحاول حصرها ملخصة في النقاط الرئيسية التالية:


1ـ الحسد:

كان لنيكولو، كمفكر عظيم، العديد من الحساد الذين حاولوا النيل منه بأحط الاساليب واشدها مكرا. كان هؤلاء يختلقون الثغرات للنفوذ من خلالها الي هدفهم غير النبيل. وهو، مع ذلك، لم يساوم ضعاف النفوس، بل ظل ينظر اليهم من فوق برج افكاره وثقته الكبيرة بنفسه فيراهم اقزاما تحت قدميه لا يستحقون سوي الاشفاق لما في نفوسهم من مرض متأصل. وظل، مع كل سوءات هؤلاء، يحفظ في قلبه الكبير ما كان يعرفه من ادق اسرارهم ونقاط ضعفهم، بل كان يحاول ان يسدي لهم الخدمات كلما وجد الي ذلك سبيلا.

والغريب ان نيكولو لم ينج حتي من بعض الطعنات الخفيفة من اقرب اصدقائه الحميمين. فان كويجارديني الذي كان ـ حسب وصف احد المؤرخين ـ ميكافيليا في حياته اكثرمن ميكافيلي (27) ينتقد ما سماه بقسوة ميكافيلي في بعض آرائه مع ان هناك تطابقا كبيرا بين افكار مؤرخي عصر النهضة ميكافيلي وكويجارديني، وفي كل اختلاف بينهما يميل الميزان الي جانب الاول بشكل ملموس. ففي رأي كويجارديني ان ميكافيلي اخطأ عندما اعتقد بأن جميع مآسي ايطاليا السياسية وليدة انقسامها لأن ذلك الانقسام، كما يري هو، ادي الي ان تظهر في ايطاليا كل هذه المدن المزدهرة التي ما كان في الامكان ان يوجد مثلها في دولة موحدة ، لذا فان وجود نظام ملكي موحد كان يتحول الي سبب لبؤس ايطاليا اكثر من رخائها (28).

اما صديقة الآخر فرانسيسكو فيتوري فانه كان في وسعه ان يسدي لنيكولو خدمات اكثر مما فعل، وذلك لما كان يتمتع به من موقع دبلوماسي مرموق في روما حيث النشاط السياسي والديني الواسع كمركز للبابوبة والكنيسة الكاثوليكية، بينما ان الخدمات التي قدمها فيتوري الي صاحبه ميكافيلي كانت محدودة لا تتناسب مع نفوذه الكبير.



2 ـ الكنيسة:



كان لموقف الكنيسة التأثير الاكبر في تشويه سمعة ميكافيلي. ولكي نفهم ابعاد هذا الموقف بشكل اوضح يجدر بنا ان نتطرق اولا الي موقف ميكافيلي من الكنيسة وكل النظام الاقطاعي السائد بشكل عام. ومع انه ركز علي الكنيسة اكثر، الا انه تناول في الوقت نفسه جوانب معينة من المجتمع الاقطاعي الذي هبط في عهده الي احط درك له فتحول الي عائق رئيسي امام التطور الطبيعي للمجتمعات الاوروبية. وقد حلل ميكافيلي هذا الواقع باسلوب عبقري متوافق كليا مع طبيعة المرحلة التاريخية التي كانت تتطلب من الناحية السياسية اقامة انظمة حكم مطلق من شأنها وضع نهاية للتسيب الاقطاعي السائد. وهنا نكتفي بايراد مثل معبر واحد من المطارحات . فقد ذكر في القسم الخامس والخمسين من الكتاب الاول ما نصه:

انني اسمي نبيلا كل الذين يعيشون في البطالة، ومما تعطيهم ارضهم دون ان يأتوا الزراعة او اي عمل آخر. ومثل هؤلاء الناس وباء في كل مدينة، ولعل الاسوأ منهم هم اولئك الذين يملكون بالاضافة الي اقطاعياتهم قلاعا تحت تصرفهم، واتباعا يخضعون لهم. وهناك الكثيرون من افراد هاتين الفئتين من الناس في مملكة نابولي، وفي الممتلكات البابوية وفي رومانا ولومبارديا ـ ولا ريب في ان هذا هو السبب الذي حال دون ظهور اية جمهورية او حياة سياسية في هذه المناطق، فان الذين يولدون في مثل هذه الاوضاع يكونون شديدي العداء لأي شكل من اشكال الحكم المدني الحر. ولا يمكن لأية محاولة لاقامة جمهورية ان تكلل بالنجاح في مقاطعات منظمة علي هذا النحو. واذا ما رغب انسان في اعادة تنظيمها، فان السبيل الوحيد امامه هو ان يقيم فيها نظاما ملكيا. والسبب في ذلك هو انه عندما يكون الجوهر علي هذا النحو من الفساد فان القوانين لا تكفي للحفاظ عليه واستبقائه، ومن الضروري ان تكون هناك بالاضافة الي القوانين قوة عليا، كتلك التي تكون للملك عادة، تملك من السلطان المطلق والطاغي ما يمكنها من وقف اي تطرف او مغالاة ينبعان من الطموح، ومن الاجراءات الفاسدة لذوي الحول والطول .

وقف ميكافيلي بشدة ضد تعاليم الكنيسة الكاثوليكية التي اعتبرها عبئا يحول دون الابداع النشط للانسان. ولم يكن ذلك سوي تعبير امين عن روح العصر ومهماته التقي في خطوطه الاساسية مع آراء ابرز مفكري اوروبا يومذاك، بمن فيهم اشد الناس حرصا علي المسيحية ووحدة الكنيسة من قبيل ارازمس الروتردامي وتوماس مور (29)، بل مع آراء زعماء حركة الاصلاح الديني التي انفجرت بقوة في المانيا المجاورة قبل موت ميكافيلي بحوالي عقد واحد من الزمان فقط. ولكن جاء تعبير ميكافيلي في هذا الصدد اقوي من غيره وأمر. فهل من قول أبلغ، وهل من خيبة اعمق من هذا الذي قاله نيكولو بتهكم لا يخلو من ألم عميق؟!

ان اول ما ندين به نحن الايطاليين للكنيسة ورجالها، هو اننا صرنا ملحدين ومنحرفين (المطارحات، الكتاب الاول ـ 12)، وهو نفس ما كان يؤكد عليه زعيم حركة الاصلاح الديني مارتن لوثر.

ان ميكافيلي الذي وضع وحدة ايطاليا فوق اي اعتبار ما كان يستطيع ان لا يعطي رأيه صريحا في موقف الكنيسة السلبي بهذا الشأن. فلنستمع الي ما يقوله حول هذا الموضوع الحساس بانتباه:

اننا ندين للكنيسة ورجالها بشيء اعظم، ولعله هو السبب الثاني فيما الحق بنا من خراب فالكنيسة هي التي جزأت ايطاليا وما زالت تحافظ علي تجزئتها. ومن الحق ان يقال، ان اي بلاد لا تشعر بنعمة الوحدة وبالسعادة، الا اذا كانت كلها تحت سيطرة حكم جمهوري واحد او امير، كما هي الحالة في فرنسا واسبانيا. ولا ريب في ان السبب في عدم وجود مثل هذا الوضع، اي الجمهورية الواحدة او الامارة الواحدة في ايطاليا كلها، يعود حتما واطلاقا للكنيسة. اذ علي الرغم من وجود مقر للكنيسة في ايطاليا، ومن وجود سلطانها الدنيوي فيها، فان سلطانها هذا او فضيلتها لم يكونا في يوم ما من القوة بحيث يمكنانها من اخضاع الطغاة الايطاليين لحكمها، ومن اعلان نفسها اميرة عليهم جميعا، كما انها لم تكن من الناحية الاخري في يوم من الايام علي ذلك النحو من الضعف الذي لا يمكنها عندما تخشي ضياع سيطرتها علي الامور الدنيوية، من دعوة احدي الدول الاجنبية للدفاع عنها ضد تلك الدولة الايطالية التي غدت قوية اكثر مما تريد هي لها.. وهكذا فان الكنيسة كانت السبب في الحيلولة دون وجود ايطاليا تحت حكم رأس واحد، وجعلها موزعة بين عدد من الامراء والسادة الذين جاؤوا لها بالفرقة والضعف حتي انها غدت فريسة لا للاقوياء من البرابرة (23) فحسب سيبل لكل من يهاجمها. وعلينا نحن الايطاليين ان نشكر الكنيسة، دون غيرها، علي هذا الوضع السيء (المطارحات، الكتاب الاول ـ 12).

اذن ان السبب الاساسي لمعاداة ميكافيلي للكنيسة الكاثوليكية يكمن في تحول هذه الاخيرة الي حجر عثرة امام تحقيق حلمه الاكبر في ان يري الوطن موحدا، معززا، مكرما. فان البابوات، حسب تحليله الصحيح، كانوا اضعف من ان يحققوا الوحدة الايطالية من جانب، وكانوا لا يرغبون في ان يقوم احد غيرهم بذلك من جانب آخر. ولكي نفهم مدي عمق هذا التحليل الميكافيلي علينا ان نتذكر موقف الكنيسة ازاء قضية الوحدة الايطالية علي مدي اربعة قرون اتبعت القنبلة التي فجرها ميكافيلي بكل جرأة وصراحة دون ان يلجأ الي الخيال والعالم الثاني كما فعل دانتي (24) او يعرض افكاره علي لسان الاقدمين كما فعل بترارك (25). فان البابوية ظلت تعارض الوحدة الايطالية بكل ما توفر لديها من اسباب. وعندما تحقق حلم الطليان الاكبر في العام 1870رفض البابا الاعتراف بحكومة ايطاليا الموحدة وعارض بشدة انضمام روما اليها واعتبر نفسه سجين فاتيكان وظل هكذا لغاية العام 1929 عندما تم الاتفاق بين موسوليني والبابا بموجب معاهدة خاصة اقر الاول فيها استقلال الفاتيكان واعترف الثاني بايطاليا موحدة.

وما يجدر بالذكر هنا ان ميكافيلي وقف بفكره الثاقب عن كثب علي مساوئ الكنيسة وما كان يتخبط فيه رجالها. فقد أوفد ايام الجمهورية بعثتين الي روما اطلع خلالهما علي اسلوب حياة الاكليروس والرشوة السائدة بينهم فاقتنع اكثر بفساد الجهاز الكنسي وابتعاده الكلي عن الروح الاصيلة للديانة المسيحية.

جاء رد الفعل البابوي علي موقف ميكافيلي قويا وقاسيا في آن واحد. ففي العام 1557 قام الجزويت (26)، المتعصبون للكنيسة الكاثوليكية، بحرق جميع مؤلفات ميكافيلي. وفي الحال قررت محاكم التفتيش حرمان تداول تلك المؤلفات التي ادخلت جميعها في قائمة الكتب الممنوعة وأقر مجلس ترانت الكنسي ذلك. وفي العام 1559 اصدرت الكنيسة قرارا يقضي بحرق نموذج effigie ميكافيلي علنا، بينما طبعت روما مؤلفاته وعرضت مسرحياته الكوميدية بحضور البابا نفسه قبل ذلك بحوالي ربع قرن فقط (27). كما ان كتابه الشامل تاريخ فلورنسة الذي يقع في ثمانية مجلدات وكرس في الواقع لمجمل تاريخ ايطاليا السياسي ويعتبر بحكم تعمقه في تقييم الاحداث التاريخية ومن حيث اسلوبه الدرامي وقوة لغته واحدا من اعظم مكاسب الدراسات التاريخية الحديثة (28)، والذي لم يفقد اهميته حتي يومنا هذا، كان ميكافيلي قد ألفه بناء علي طلب شخصي من البابا كليمنت السابع وقدمه اليه بنفسه.

متملق؟


بعد ذلك بدأت حملة اعلامية منظمة ضد ميكافيلي تصدرها المؤلفون والمؤرخون الجزويت المتعصبون. وقد وضع هؤلاء جانبا المئات من نقاط القوة في مؤلفات وآراء ومواقف ميكافيلي وبدأوا يتمسكون بالبعض من افكاره واعماله بشكل مجرد فيرسمون صورة مزيفة لا تنطبق علي واقع الرجل مهما حاولوا وتفننوا. فانهم اخذوا عليه، مثلا، اهداءه لكتابه الامير الي جوليانو (فيما بعد لورينزو) ميديتشي، واعتبروا ذلك بمثابة محاولة لتضليل اسرة ميديتشي اثر عودتها للحكم (29). ويوجد مؤلفون معاصرون يقيمون موضوع الاهداء من نفس الزاوية الجزويتية (30). في الواقع لا ينكر ان ميكافيلي كان يرغب في العودة الي المسرح ويبحث عن عمل من شأنه ان يخفف من ضائقته المالية، وليس في ذلك ادني ما يؤخذ عليه. ومن الاجحاف اصلا تجريد نيكولو من دوافعه كانسان في مجتمع كان لذئاب البشر وثعالبه دورهم الكبير فيه، وكان للموقع والجاه سحرهما في نظر الجميع من خواص وعوام. ولكن المسألة تتعدي هذه الناحية الانسانية المجردة. فان لورينزو ميديتشي كان يحمل فعلا من الصفات والامكانات ما كان بامكانها ان تجعل منه شخصية بارزة، فهو كان من النوع الذي يستطيع اتخاذ القرارات وحسمها، وتبني ما ورد في الامير من سياسات كان من شأنها انقاذ ايطاليا وتحقيق وحدتها (31)، وكان يكفي ذلك بالنسبة لميكافيلي لكي يري فيه اميرا انموذجا.

مع ذلك تبقي نقطتان مهمتان من شأنهما القاء ضوء اسطع علي هذا الموضوع. فان نفس ميكافيلي الذي اتهم بالتزلف بسبب اهدائه كتابه الامير رفض رفضا قاطعا ان يخدم البرابرة الاجانب في وقت كان الآخرون فيه يتمسحون باعتابهم. ولندع الرجل يحدثنا شخصيا عن هذا الامر الذي اثيرت حوله عاصفة مصطنعة هوجاء انه وبكل بساطة يقول:

انني لا ارفض عملا ولا ارد ابدا ايا من اوامر الجمهورية حيثما استطيع ان اكون مفيدا، وهذا هو ما افعله ان لم يكن بعلمي فبخطبي، وان لم يكن بخطبي فبمشاريعي... (32). اذن كان نيكولو مستعدا لخدمة بلاده باخلاص. ولكن ظل مرفوع الرأس حتي في احرج اللحظات، ولم يرغب ان يعمل الا حيثما يكون مفيدا . فبعد عشر سنوات من النفي رفض هذا المتزلف قبول منصب سكرتارية مربح لأحد الكرادلة في روما، بسبب عدم تحمله لمواقف البابوية.

هنا يفرض سؤال منطقي نفسه علي المؤرخ بالحاح: الم يكن من الافضل بالنسبة لميكافيلي المتمكن، لو كان يرغب التودد فعلا، ان يحاول التقرب من الذين كان مصير كل ايطاليا، لا ايطالي واحد مثله، بين ايديهم، واقصد بهم الغزاة الاجانب واصحاب الكلمة في روما الذين صب هو جام غضبه عليهم دون مواربة او مساومة. ومن المهم ان نلاحظ ان اتخاذ مثل هذا الموقف من جانب المفكرين الطليان لم يكن نادرا في ظروفهم الصعبة للغاية. فان معاصر ميكافيلي، مفخرة ايطاليا والانسانية ليوناردو دافنتشي (1452 ـ 1519) اضطر الي ان يلجأ في اواخر حياته الي الملك الفرنسي فرانسوا الاول وان يقضي السنوات الخمس الاخيرة من عمره في صحبته وفي قصر مجاور لقصره دون ان يتحول ذلك الي لطخة ولو صغيرة بالنسبة لحياة ذلك العبقري وتاريخه. كما ان المفكر الاشتراكي المثالي الايطالي كامبانيللا (1568ـ 1639) الذي تحمل تعذيب محاكم التفتيش والسجن علي مدي 33عاما دون ان يساوم، لجأ اخيرا الي ريشيليو الفرنسي وتمتع برعايته. ودون شك كان في وسع ميكافيلي لو اراد، ان يفعل مثلما فعلوا وان ينال اكثر مما نالوا، الا انه لم يفعل. فقد رفض هذا المتزلف بكل إباء العمل في البلاط الفرنسي، ولنستمع مرة اخري الي ما يقوله بنفسه وباسلوبه الساخر حول هذا الموضوع: افضل الموت جوعا في فلورنسا علي تخمة المعدة في فونتينبلو (33) (34).

سيزار بورجيا

انتقد المؤلفون الاوائل، ومنهم الجزويت بشكل خاص، ميكافيلي لاختياره سيزار بورجيا مثلا يحتذي به وذلك في كتابه الامير . وهنا ايضا لم يأت اختيار ميكافيلي اعتباطا. فان سيزار بورجيا ابن للبابا الكسندر السادس المنتمي الي اسرة بورجيا المعروفة (35) وقد زاره ميكافيلي ثلاث مرات بمهمات ديبلوماسية، فعرفه عن كثب وانتقد في تقاريره تصرفاته بشدة واعتبره عدوا لدودا لفلورنسة (36). الا انه من خلال مراقبته الدقيقة لسياسته علي مدي اشهر طوال اقتنع بأن بوسع اساليب هذا انقاذ ايطاليا من محنها، فأثر فيه اكثر من اي سياسي آخر التقي به او قرأ عنه (37). وكان المهم بالنسبة لميكافيلي ان سيزار بورجيا حاول بشتي الاساليب وباصرار اقامة حكومة مركزية موحدة قوية تحكم مناطق واسعة في وسط ايطالي، كخطوة علي طريق توحيد كل البلاد. وقد اعجب ميكافيلي كثيرا بموقف سيزار من جيش المرتزقة ومحاولته الاعتماد علي تجنيد ابناء ايطاليا انفسهم وتنازله عن لقب الكاردينال الديني الرفيع من اجل تحقيق اهدافه السياسية. ومن الجدير بالذكر ان ليوناردو دافنتشي كان من بين الذين تعاونوا باخلاص مع سيزار بورجيا الذي تردد ميكافيلي في البداية كثيرا في الاتصال به. وبغض النظر عن مدي نجاح ميكافيلي في انتخابه للبطل فان حقيقة واحدة يجب ان تسجل في هذا المجال هي ان اسم سيزار دخل الامير بعد ان انقضي زهاء ستة اعوام علي موته وزوال دور اسرته عن المسرح السياسي الايطالي مما يضفي علي اختياره طابعا موضوعيا واضحا.

والغريب جدا ان يتمسك ناقدو ميكافيلي بمثالب سيزار بورجيا ويتجاهلوا كليا حلمه (حلم ميكافيلي) الرفيع في ان يظهر عبقري ايطالي ينتشل بلاده من التمزق والاحتلال فيقيم نظاما جديدا يضفي عليه الفخار وعلي جماهير الشعب الخير والسعادة . فان ايطاليا التي غدت بلا حياة تتطلع، كما يري نيكولو باخلاص، الي ذلك الانسان الذي يمكن له ان يداوي جراحها ويضع نهاية لدمار لومبارديا ونهبها وللجشع والاغتصاب البارزين في مملكة نابولي وتوسكانيا، وان يشفي بثورها المتقيحة منذ امد طويل. وها هي ايطاليا تبتهل الي الله في كل يوم ان يبعث اليها من ينقذها من هذه الفظاظة البربرية والحمق الاعمي. انها علي استعداد للحاق بكل راية وتواقة لذلك، شريطة ان يكون هناك من يحملها ويرفعها . واذا قدر لايطاليا ان تعثر علي مثل هذا الامير المحرر المنقذ فانه ليصعب وصف ما سيلقاه من حب في جميع المقاطعات التي عانت الويلات تحت نير الغزوات الاجنبية، ولا ما سيجده من تعطش للثأر، وايمان ثابت، وولاء اكيد، ودموع الشكر والعرفان. ان الابواب ستفتح جميعها علي مصاريعها امامه، وان الشعب بأسره سيقابله بالطاعة والولاء، ولن يجد من يحسده، ولن يتأخر ايطالي واحد عن الانضواء تحت لوائه. فهذه السيطرة البربرية تزكم انف كل انسان (الامير، الباب السادس والعشرون).



ليس متدينا ولا ملحدا

لم يكتف نقاد ميكافيلي بكل ما سبق، بل انهم حاولوا كذلك تشويه موقفه من الدين، وتمكنوا من خلال ذلك من الضرب بشدة علي وتر عاطفي حساس لدي بسطاء الناس بشكل خاص وذلك بتصويرهم اياه مارقا ملحدا بينما لم تتعد جريرة نيكولو في هذا المجال حقيقة انه اراد ان تكون القضايا الروحية ذات مضمون سياسي تكرس لبناء حياة الامة ولخدمة الدولة (38). ثم انه كان يري ان اصلاح الدولة لا ينشأ عن تغيير في النفوس، وانما عن تغيير في المؤسسات. لذا نراه يعالج لا الدين وحده، بل كل العلاقات التي تنشأ بين الناس كالحب والحقد والفن وكل مظاهر الحياة نفسها، من حيث الدور الذي تلعبه في المجتمع.

صحيح ان نيكولو لم يكن متدينا، الا انه لم يكن ملحدا كذلك، بل كان ـ كما تؤكد بعض المصادر ـ يحيا حسب التقاليد الدينية الامتثالية (39). وقد كان يكن احتراما عميقا لمؤسسي الاديان الذين يستحقون، في نظره، الاعجاب اكثر من مؤسسي الدول (40). شوه الجزويتيون، وغيرهم، موقف ميكافيلي من الفضيلة والقسوة باسلوب بعيد عن كل القيم الموضوعية. فانهم تجاهلوا، كما ذكرنا، الضوابط الكثيرة التي شدد عليها ميكافيلي في جميع مؤلفاته تقريبا، وغضوا الطرف عن تأكيده الصريح في المطارحات ان انتصار الرومان وازدهارهم انما نجم الي حد كبير عن تمسكهم بالفضائل (41). ثم ان هؤلاء في تقييمهم لهذا الجانب من افكار ميكافيلي يتناسون عن قصد ملموس انه لم يدرس اعمال الناس الاعتياديين، بل مهمات الحكام ممن تقع علي عاتقهم مسؤوليات كبيرة ومعقدة تتطلب اول ما تتطلب فهم الاشياء علي حقيقتها ووضع العواطف جانبا في سبيل انجازها الامثل. وقد فسر نيكولو هذا الواقع بشكل معبر وواضح: اما الذين لا يستطيعون عند الضرورة وفي سبيل المصلحة العامة الخروج علي القيم فان عليهم ان يزاولوا اي شيء سوي السياسة التي اعتبرها شكلا من اشكال النشاط الانساني الذي لا يخضع لاية شروط او دوافع روحية او ذات طابع ادبي ، وهي بذلك تختلف عن جميع النشاطات الانسانية الاخري (42). وعلي هذا الاساس يكون ميكافيلي اول من وضع الصياغة الحديثة لمفهوم الدولة.

والي جانب الضوابط التي تطرقنا اليها مرارا فان ميكافيلي تمسك كليا بأرفع الفضائل في العلائق الطبيعية بين الناس. فمما ورد علي لسانه في الامير انه لا يمكن لنا ان نطلق صفة الفضيلة علي من يقتل مواطنيه، ويخون اصدقاءه، ويتنكر لعهوده، ويتخلي عن الرحمة والدين. وقد يستطيع المرء بواسطة مثل هذه الوسائل ان يصل الي السلطان، لكنه لن يبلغ المجد عن طريقها (الامير، الباب الثامن). وان الصداقة التي تقوم علي اساس الشراء، لا علي اساس نيل الروح وعظمتها، هي صداقة زائفة تشري بالمال ولا تكون امينة موثوقة، وهي عرضة لأن توقدها في اول مناسبة (الامير، الباب السابع عشر).



علي الطبيعة

اما الامير فان عليه ان يكون من الفطنة بحيث يلجأ الي السبل الشريرة، عندما ترغمه الضرورة علي ذلك ولكن شريطة الا ينحرف عن طريق الخير ما دام في استطاعته المضي فيه . وفي كل الاحوال يبقي منطلق ميكافيلي في تقييماته هذه سياسيا صرفا. فقد لا يكون ما يبدو فضيلة من الفضائل دائما لانها قد تجلب الدمار ، وان ما يبدو رذيلة في المنظور الاعتيادي قد لا يكون كذلك في المنظور السياسي خاصة اذا ادي الي ضمان الامن والاستقرار والنجاح . وعلي الامير الذي يجد نفسه مرغما علي تعلم طريقة عمل الحيوان، ان يقلد الثعلب والاسد معا، اذ ان الاسد لا يستطيع حماية نفسه من الشراك، والثعلب نفسه امام الذئاب. ولذا يتعين عليه ان يكون ثعلبا ليميز الفخاخ وأسدا ليرهب الذئاب (الامير، الباب الثامن عشر).

من كل ما سبق يبدو رأي ميكافيلي جليا، واضحا: في وسع المرء ان يبقي بعيدا عن عالم السياسة فيتصرف، بل يجب ان يتصرف آنذاك حسب المقاييس الاخلاقية الرفيعة دون ان يحيد عنها. اما اذا دخل حومة السياسة فما عليه الا ان يتصرف علي ضوء قوانينها. ولكن حتي هنا لم يطالب ميكافيلي اميره الحديث بان يأتي بشيء لم يكن قد حدث مثيله مرارا. انه لم يفسد حكام اوروبا كما يدعون، بل فسر اعمالهم علي الطبيعة بكل بساطة (43)، او بتعبير ادق انه لم ينظر الي الانسان، حاكما او محكوما، كما يجب ان يكون بل نظر اليه كما هو عليه. ففي الامير ، الذي يدان اكثر من مؤلفاته الاخري، نفس الصورة القاتمة للواقع الاجتماعي الذي اشار اليه المئات من الفلاسفة والمفكرين الاخرين قبل ميكافيلي وبعده.

ثم ان العصر الذي عاش فيه نيكولو كان عصر المناورات والارهاب الذي امتد الي كل ركن من اركان اوروبا الدينية والدنيوية والي شرقنا كذلك. فقبل ان يظهر ميكافيلي بقرون عدة اتبع الملك الالماني اوتو الاول (912 ـ 973) جميع تعاليم ميكافيلي في تعامله مع النبلاء والعشائر والدين داخل مملكته وفي المناطق التي كان يفتحها. واذا كان بطل ميكافيلي سيزار بورجيا قد زوج شقيقته ثلاث مرات لاهداف سياسية صرفه فان اوتو تزوج قبل ذلك باكثر من خمسمئة سنة من ارملة الملك الايطالي لمجرد نيل لقب ملك ايطاليا. وانه نظم ـ بحجة ارجاع البابا الي كرسيه بعد طرده من قبل سكان روما ـ حملة علي هذه المدينة وأعاد البابا المطرود ليتحول منذ تلك اللحظة الي بيدق في يده يحركه لاغراضه السياسية كيفما يشاء. فقام في العام 962 بمنح اوتو تاج الامبراطورية مما شكل بداية لظهور الامبراطورية الرومانية المقدسة. ولم تختلف سياسة الملك الالماني الآخر وامبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة فردريك بارباروسا (1125 ـ 1190) عن سياسة سلفه الا في بعض التفاصيل. وقد حول الملك الفرنسي شارل الكبير (شارلمان 742 ـ 814) المسيحية الي وسيلة لترسيخ مملكته الواسعة بالاسلوب الذي اعتبره ميكافيلي انموذجا رائعا بعد مرور ما لا يقل عن سبعمئة عام.

اما في عصر ميكافيلي حيث تحولت القوة والدهاء الي مفاتيح النجاح فأطلق عليه اسم عصر الغش والمغامرات (44) فان اقطاعيي المانيا لم يطلعوا علي الامير عندما اغرقوا باسم الدين الحركة الفلاحية الكبري (1524 ـ 1525) في بحر من الدم فقتلوا ما لا يقل عن مئة الف نفس كانت جريرتها الكبري انها تجرأت فطالبت بالتخفيف عن وضعها البائس. والعديد من البابوات في عهده او قبله وبعده لم يعرفوا غير المناورات والقسوة اسلوبا في التعامل.

وفي الامكان ايراد عشرات الامثلة الميكافيلية الاخري من التاريخ الاوروبي السابق لميكافيلي. وان مؤسسة الجزويت (45) المتعصبة للكثلكة والتي تتحمل الجانب الاكبر من وزر تشويه سمعة ميكافيلي متهمة بالميكافيلية اكثر من غيرها، فانها تبنت منذ تأسيسها في العام 1534 شعار الغاية تبرر الوسيلة مهما تكن .

سليم الأول.. المرعب

وفي الشرق اتبع معظم سلاطين آل عثمان تعاليم ميكافيلي بشكل مشوه دون ان يسمعوا باسمه او اسم اميره. فان سليم الاول، مثلا، خلع والده بايزيد الثاني عن العرش بمساعدة الانكشاريين في العام 1512 ولبي كابن بار طلب والده بالسماح له بالانتقال الي مسقط رأسه، بل بلغ به الوفاء له ان ودعه حتي اسوار عاصمة ملكه ليوافيه الاجل بعد يوم او يومين فقط!. ولم يكتف سليم بذلك بل انه قضي علي جميع اخوته الكبار واولادهم عن بكرة ابيهم بحجة ضمان امن ملكه. وبضربة واحدة اتي علي حياة اربعين الف انسان بريء في الاناضول بعد ان استصدر فتوي من شيخ الاسلام تجيز فعلته النكراء. فاستحق سليم عن حق لقب ياوز، اي المرعب او الرهيب. وقد دبرت دسائس الحريم ان يصبح سليم الثاني، السكير العربيد واقل ابناء سليمان القانوني كفاءة، وريثا لعرش والده الذي لقب عن جدارة بالقانوني في الشرق والعظيم في الغرب. أما مراد الثالث فقد دشن عهده بقتل اخوته الخمسة في العام 1574. وأثبت ابنه محمد الثالث جدارة اكبر عندما امر في يوم وفاة والده عام 1595 بخنق اخوته الذكور التسعة عشر الذين دفنوا في وقت واحد مع والدهم في جامع آيا صوفيا مقيما الفاتحة علي ارواحهم معا دون ان تفارق علائم الالم والحزن وجهه لما اقدم عليه من تضحية كبري في سبيل رفعة الامبراطورية العتيدة!!

والسؤال: هل يوجد في كل مؤلفات ميكافيلي ما يبرر مثل هذه الاعمال التي حاول آخرون ايجاد تبريرات لأكثرها ان لم يكن لها كلها؟.

وقبل أن نأتي علي نهاية الموضوع من الضروري ان نشير الي حقيقة مهمة اخري لها علاقة به. ففي عصر ميكافيلي كانت البلدان الاوروبية تتوحد وتنهي مشاكلها علي طريق الوحدة، بينما كانت مشاكل ايطاليا تتعقد وتتأصل انقساماتها مما جعل من امر الوحدة القومية شبحا لا يبدو حتي في الافق البعيد. فحدة المشاكل نفسها فرضت علي شخص مثل ميكافيلي حدة في المعالجة والتعبير. ولم يكن هو المفكر الايطالي الوحيد الذي اختلف في طابع معالجاته للامور عن نظائره الاوروبيين فان منطلقات كامبانيللا الاشتراكية المثالية كانت، مثلا، اكثر راديكالية من منطلقات رائد الفكر الاشتراكي المثالي توماس مور الانكليزي. وقد تميز موقف العالم والفيلسوف الايطالي جوردانو برونو امام محاكم التفتيش بصلابة نادرة لم يضاهه فيها احد من العلماء الاوروبيين في عصر النهضة مثل كوبر نيكوس وغيره. فانه بعد ثماني سنوات من التعذيب الوحشي المتواصل جابه الحكام الذين اصدروا بحقه الموت بمثل هذه العبارة الخالدة: اغلب الظن انكم تصدرون قراركم بخوف اكبر مما اتلقاه انا !.

من كل ما سبق يبدو واضحا ان الكنيسة تجنت بقسوة علي ميكافيلي وأفكاره. فان الضربات المتلاحقة التي تلقتها الكنيسة في ذلك العصر اضفت علي آراء ميكافيلي الواقعية والصريحة طابعا اخطر من غيرها في نظر القوي المحافظة التي بذلت جهودا كبيرة لتشويهها. فالي جانب تحريم مؤلفاته وحرق نموذجه الف عدد من رجال الدين كتبا في مهاجمة ميكافيلي انصبت علي تشويه سمعته وتحريف افكاره.

ومن الغريب ان نذكر ان البروتستانت لم يكونوا اقل حماسة من الكاثوليك في معاداة نيكولو الذي اعتبروه جزويتيا متنكرا (46)، وذلك بغض النظر عن التطابق الكبير بين انتقادات البروتستانت وميكافيلي الموجهة للبابوية. وقد اتخذ البروتستانت مثل هذا الموقف بتأثير اجراءات معينة اتخذها حكام ميكافيليون ضدهم كما نبين ذلك فيما بعد. ويأتي كتاب ضد ميكافيلي الضخم (47) الذي ألفه الكالفني المتحمس جينتيه (Gentillete) بالفرنسية في العام 1576 علي رأس قائمة المؤلفات المبكرة التي اثرت علي سمعة ميكافيلي في الاقطار الاوروبية الي حد كبير (48). ومنذ ذلك الوقت تقريبا ظهر مصطلح الميكافيلية لأول مرة وبدأ تداوله علي نطاق واسع بسرعة وفي مجالات فكرية وسياسية شتي، بما في ذلك الاعمال المسرحية الاوروبية.



3ـ المسرح الانكليزي:

لعب المسرح الانكليزي في العهد الاليزابيثي دورا كبيرا في تشويه سمعة ميكافيلي. فقد كون المجتمع الانكليزي اول فكرة له عن ميكافيلي وكتبه من خلال المؤلفات المعادية له والتي ركزت بشكل خاص علي آرائه الواردة في الامير . فان كتاب جينتيه المذكور قد ترجم الي الانكليزية في العام 1577، بينما ترجمت المطارحات اليها في العام 1636 و الامير في العام 1640 (49). فكان من الطبيعي ان يسود الوسط الثقافي رأي غير واقعي عن نيكولو وافكاره السياسية، مما وجد له انعكاسات واضحة في المسرح الانكليزي الذي بلغ الذروة في عهد الملكة اليزابيث الاولي. فهناك 395 اشارة سلبية الي اسم ميكافيلي وافكاره في الادب الانكليزي الذي يعود الي تلك المرحلة (50) والذي لا يزال يتمتع بتداول واسع في شتي اللغات. فان الشاعر والمسرحي المعروف كريستوفر مارلو (1564 ـ 1593) الذي كان يجمعه بميكافيلي نظرته الي الكنيسة وتقييمه للحياة ومعاناته من الرقابة، قدم في مسرحيته يهودي مالطة صورة مشوهة عن نيكولو دون ان يطلع علي افكاره مباشرة، فقد ترجم الامير الي الانكليزية بعد وفاته بحوالي نصف قرن. وهذا ما فعله ايضا المسرحي الكبير شكسبير (1564 ـ 1616) في مسرحيته نساء وندسور ، مع العلم بأن هناك تطابقا كبيرا بين افكار شكسبير وميكافيلي، ولا سيما فيما يتعلق بتقييمهما للحكم المطلق، بل وفي نظرتهما الي الانسان.

ومما لا شك فيه ان آراء الانكليز السلبية عن ميكافيلي تركت بصمات واضحة علي الفكر السائد عنه، وبشكل خاص في اقطار الشرق التي احتكت مباشرة بالثقافة الانكليزية وعرفت النهضة عن طريقها الي حد كبير، كما اطلعت عن طريق الانكليزية علي تاريخ الحكام الميكافيليين الاوروبيين اكثر من غيرها.



4ـ الميكافيليون:

لعب الحكام الميكافيليون دورا لا يقل خطورة عن دور الجزويت في تشويه سمعة نيكولو. فان هؤلاء كانوا يختارون ما يناسبهم من آراء ميكافيلي متجاهلين في الغالب ما وضع من ضوابط لتصرفات الحكام. فقد كانت الملكة الفرنسية الايطالية الاصل كاترين ميديتشي تعتبر الامير كتابها المقدس دون ان تتمسك بالافكار الواردة فيه مما يبدو واضحا من تصرفاتها الشخصية وسياستها العامة. الا ان اعجابها بميكافيلي وتشجيعها لنشر الامير كان كافيا لاعتبار ميكافيلي مسؤولا عن فعلتها النكراء عندما دبرت باسلوب وضيع مذبحة عامة للبروتستانت الفرنسيين في ليلة احتفائهم باحدي المناسبات الدينية (سان برثلوميو) عام 1572، مما ادي الي ان يصب البروتستانت جام غضبهم علي ميكافيلي. فبعد ذلك بخمس سنوات فقط اصدر غاتييه كتابه ضد ميكافيلي الذي حمله فيه لا مسؤولية المذبحة المذكورة فحسب، بل اعتبره كذلك المسؤول الاول عن كل مساوئ ملوك فرنسا هنري الثاني وشارل التاسع وهنري الثالث. وربما كان ميكافيلي الضحية الوحيدة للكاثوليكية الذي لم يدافع عنه البروتستانت، بل اتهموه بكل بساطة بكونه معلم الملوك الكاثوليك .

كان الملك البروسي فردريك الكبير أشهر ميكافيلي حارب ميكافيلي بحماسة مصطنعة. فقبل مجيئه الي الحكم تهجم علي ميكافيلي في رسائله التي كان يبعثها الي المفكر الفرنسي فولتير وذلك جريا علي عادة ملوك وامراء اوروبا الذين كانوا يحاولون اظهار انفسهم في ثوب يتفق مع قيم عصر التنوير. وفي السنة التي تسنم فيها العرش الف فرديرك كتابا سماه ضد ميكافيلي والذي وصف فيه نيكولو كـ مدافع عن الجريمة وكأحد خوارق الشيطان Cetavocatcrime Cetoraclede وقد ذكر فردريك في الكتاب نفسه ان ميكافيلي يستهدف من آرائه اقامة حكومة مستبدة، غادرة، جشعة واثارة حروب غير عادلة . واذا كان ميكافيلي لم يدع في اي من مؤلفاته الي مثل هذه الامور، فان فردريك طبق اكثر منها خلال سنوات حكمه الست والاربعين. وكما جاء في تعليق احد المؤرخين فان هذه الامور بالذات هي التي جعلت من فردريك الكبير مشهورا فيما بعد . ومن الجدير بالذكر ان فردريك كان يشبه من اوجه كثيرة سيزار بورجيا، ولا سيما والده البابا الكسندر السادس. وقد بلغ استبداده في الحكم حد انه رفض ان يكون له وزراء كي لا تتحول رواتبهم، حسب ادعائه، الي عبء علي كاهل الخزينة بينما لم يتوان هو عن الصرف من اجل تشييد افخم قصر له ولحاشيته. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه العثور علي ثناء واحد علي حكم الفرد بين دفتي الامير او اي من مؤلفات نيكولو الاخري، فان فردية فردريك في الحكم بلغت حدا كان فيه يشــــرف بنفسه علي جميع قضايا الدولة يساعده في ذلك سائس خيله الذي كان يقرأ رسائله ومكاتباته خلال ساعات الفجر القليلة ويأتي له في السابعة برزمة كبيرة تضم القضايا التي لا بد من اطلاع الملك عليها حسب رأيه. واذا دعا ميكافيلي الي الاهتمام بالجيش الوطني فانه لم يوص ابدا بأن يخصص اميره الانموذج حوالي 80% من ميزانية الدولة لقضايا الحرب والدفاع كما فعل ذلك فردريك الكبير. وفي الواقع لا يوجد ابلغ من تعليق فولتير علي كتاب فردريك:

لو كان لدي ميكافيلي امير حواري فانه كان ينصحه بأن يكون اول عمل يأتي به تأليف كتاب ضد ميكافيلي . وفعلا ان فردريك دشن شهرته بكتابه هذا، وقد يكون بذلك آخر من يسمح له التاريخ بأن يشوه صورة صادقة بهذا الشكل الفظ. ولكن لا ينفي ذلك حقيقة ان فردريك كان واحدا من الذين اشتركوا في بلورة تقليد غير واقعي عن مؤرخ النهضة الكبير.



5ـ التقليد:

ادت الحملة الواسعة ضد ميكافيلي في القرن السادس عشر الي تكوين فكر سلبي عنه توارثته الاجيال بشكل موضوعي. فان معظم الذين يستخدمون مصطلح الميكافيلية لم يقرأوا مؤلفات نيكولو، او في احسن الاحــــوال اقتصروا علي قراءة سطحية للامير الذي لا يعتبر من اصغر مؤلفاته فحسب، بل انه يشكل نســــــبة ضئيلة جدا مما كتبه. ثم ان الامير بحـــــاجة الي دراسة جدية معمقة كعلم لا كدعاية ، بل ان هنالك من المؤرخين من يؤكد علي ضرورة قــــــراءة الامير اكثر من مرة، الاولي سطحية، تدعو الي كره الكاتب والثانية ادق تكشف نواياه الحقيقية .

لقد حال التقليد الاعمي والتجاهل المطلق لمؤلفات ميكافيلي دون وقوف الناس بأنفسهم علي ما كان يدعو اليه نيكولو باخلاص. فاذا اقبل المرء علي قراءة الامير ، ولا سيما المطارحات ، دون ان تكون لديه فكرة مسبقة جاهزة فانه يدرك بدون عناء ان ميكافيلي كان جمهوريا اكثر من ان يكون نصيرا لحكم الفرد الاستبدادي. فمنذ نعومة اظفاره ترعرع في جو تسوده الافكار الجمهورية سواء في شوارع مدينته فلورنسة او في رحاب داره حيث كان والده وجده من غلاة الداعين للجمهورية. ثم انه خدم نظام الجمهورية الفلورنسي باخلاص لامتناه وعن ايمان مدرك مقيما اياه كـ حكومة الشعب . وعلمته تجارب التاريخ القديم ان قوة روما وعظمتها انما جاءتا من نظامها الجمهوري اكثر من اي شيء آخر لأن الكفاءة، لا الوراثة، كانت تقرر في ظله من يستحق تبوؤ السلطة. لذا فان ميكافيلي كان يتوق الي احياء ذلك النظام، مما انعكس بشكل واضح في الامير ، ولا سيما في المطارحات ، حتي ان روسو يصف الامير ككتاب الجمهوريين. ولكن ربط ميكافيلي نجاح النظام الجمهوري بمستوي وعي الناس ومدي تمسكهم بتلابيب الاخلاق الفاضلة. اما من حيث الفساد والتسيب، كما كان عليه الامر في معظم الاقطار الاوروبية وعلي رأسها ايطاليا، فان ميكافيلي كان يري من الضروري اقامة حكم مطلق يستطيع وضع نهاية حاسمة لكل اشكال الفوضي التي تجلب الدمار علي الشعب والوطن. وهو في رأيه ذلك لم يختلف عن معظم اعلام النهضة الاخرين ولم يخرج علي منطق التاريخ الذي حتم في مرحلته ظهور انظمة حكم مطلقة توقف عليها التطور اللاحق للمجتمعات الاوروبية. وان عدم ظهور مثل ذلك النظام في ايطاليا يعد من اهم اسباب تخلفها وتمزقها وضعفها امام الدول الاوروبية التي اقيمت فيها انظمة مطلقة بنجاح. وكان الفاشيون والنازيون آخر من حاولوا تجاهل افكار ميكافيلي الجمهورية وتجنبها.




6ـ الفاشية والنازية:

اهتم فاشيو ايطاليا ونازيو المانيا بميكافيلي من منطلقاتهم الضيقة وحاولوا علي ضوئها قولبة افكاره من جديد ضمن اطار ضيق ومجرد بعد ان احتاج كسر الطوق السابق المفروض علي نيكولو الي جهد كبير وزمن طويل. فقد قام عدد كبير من المؤلفين الالمان والطليان بتأليف كتب جديدة عن ميكافيلي اكدوا فيها بشكل مشوه علي آرائه في الحكم المطلق وتجاهلوا كل ما يتعلق بظروف الزمان والمكان. فان موسوليني اعتبر مذهب ميكافيلي بصدد الحكم الاستبدادي حيا اليوم بعد اربعة قرون . وبلغ تمجيد النازيين والفاشيين لميكافيلي حد ان هتلر كان يضع كتابه الامير الي جانبه في مكتبه، وحسب ما يقال فانه كان يعيد قراءة قسم منه قبل النوم في كل ليلة.

اما موسوليني فقد كتب رسالة عن الامير نال بها درجة الدكتوراه. وهو كان يعتبر أن الامير ملازم رجل الحكم .



النواقص:

لا شك في ان العوامل التي عرضناها كانت كافية لتشويه سمعة اي مفكر في العالم ولتحريف آرائه. ومن الجدير بالذكر ان الذين حاولوا النيل من ميكافيلي لم يضعوا اليد علي النواقص الحقيقية والجوانب الضعيفة في افكاره. فان الرجل، كأي عالم اخر من اعلام النهضة وكابن عصره، لم يكن مصيبا في كل ما عالج، ولا سيما انه كان رائدا في طرقه لعدد من اشد المواضيع تعقدا. فقد توسل بما اعتبره شخصيا اسلوبا جديدا للاجابة عن اسئلة لم تثر عمليا من قبل .

كان ميكافيلي يمثل في آرائه الفكر البورجوازي النامي الطموح وقد مجد في كتاباته التجار والحرفيين المتمكنين من سكان المدن الايطالية الذين يصفهم بالشعب (Popolo) ودعا الامير الي الاهتمام بهم وتهيئة الاجواء التي من شأنها تطوير مصالحهم والترفيه عنهم. الا ان البورجوازية الايطالية قد توقفت عن النمو بسرعة بعيد ميلادها المبكر وبدأت تعيش أزمة جدية قبل عهد ميكافيلي وخلاله لذا ظلت ضعيفة ولم تستطع ان تتحول الي القوة الجديرة للاضطلاع بالمهام الجسيمة التي كانت تنتظرها في ظروف ايطاليا الصعبة. وكان من الطبيعي ان ينعكس ذلك في بعض من آراء ميكافيلي المتحمسة للنظام الملكي المطلق مما كان يعني في الواقع نوعا من التساوم مع الفكر الاقطاعي، لأن ذلك النظام ظل يشكل، بالرغم من وقوفه ضد التسيب الاقطاعي، شكلا اعلي من النظام السياسي الاقطاعي. الا ان ذلك النوع من الحكم لم يكن قد فقد في عهد ميكافيلي جوانبه الايجابية بعد. ولا يمكن تفسير ازدواجية ميكافيلي، وتنقله بين النظامين الجمهوري والمطلق الا في ضوء ما تقدم. وهو يفسر لنا كذلك معاداته للديمقراطية وتخوفه من الجماهير التي تنجرف بسهولة مع المغامرات حسب رأيه وكان يصفها بـ السواد او العوام (Plebs). وقد عبر عن موقف عدائي صريح نحوها من خلال تقييمه لبعض الانتفاضات الجماهيرية التي وقعت في ايطاليا. وبحكم ذلك فان ميكافيلي يتوجه في جميع مؤلفاته الي الامراء واهل السلطة واصدقائه من المفكرين، ويكتب لهم لا للجمهور.

وهنا لا بد من الاشارة الي حقيقتين. الاولي ان الشعب الذي دافع عنه ميكافيلي بحماسة كان يشكل يومذاك حوالي ثلاثة آلاف ومئتي شخص من مجموع سكان فلورنسة البالغ عددهم تسعين الف نسمة (51). والثانية ان ميكافيلي نفسه لم ينتم اجتماعيا الي هؤلاء، الا انه قدر دورهم الكبير في تطوير المجتمع، كما اثرت في موقفه منهم علاقته بسوديريني الذي كان ينتمي الي البرجوازية الفلورنسية النامية.



البحث التاريخي:

كان ميكافيلي في رأيه عن سوء طوية البشر متشائما بشكل متطرف. فأنانية الفرد تتحكم في تصرفاته سلبا او ايجابا، اينما كان ومتي ما كان. وهو وان كان قد اقر بأن من شأن تغيير النظام التأثير علي نفسية الفرد، الا ان ذلك في رأيه ينجم عن القوانين الجديدة التي تستهدف عادة الحد من طموحات الناس.

خطا ميكافيلي خطوات مهمة في مجال البحث التاريخي، الا انه يفتقر مع ذلك، الي افق تاريخي شامل. فقد عجز، مثلا، عن فهم التحول التاريخي من مرحلة الي اخري. فان الماضي الذي كان يستنبط حقائقه من بطون كتب التاريخ كان يبدو له مشابها الي حد كبير للحاضر الذي كان يعيشه هو ويعرفه. من هنا كان رأي ميكافيلي في التاريخ انه نوع من التجارب المتصلة التي من شأنها دفع الانسان الحكيم الي فهم الطبيعة البشرية بشكل افضل مما لو اعتمد علي تجاربه الشخصية وذكرياته فقط.

لا تنتقص هذه الجوانب السلبية الواردة في افكار ميكافيلي من أهميته كمفكر كبير، خاصة اذا قيمت بشكل صحيح في اطار زمانها ومكانها ودوافعها الاصلية لا الشكلية. فبالرغم من ان موقفه المتشائم من نفسية الفرد امر غير قابل للتبرير، الا انه مع ذلك لا يمكنه نسخ حقيقة ان ميكافيلي كان يستهدف خلق الفرد الايطالي الجديد الاقرب الي التكامل. كما انه بالرغم من موقفه السلبي من الجماهير، ولا سيما في الامير ، فقد قدم عنها افكارا مهمة وجديدة بالنسبة لعصرها في المطارحات . ففي رأيه ان العامة والامراء متشابهون تمام الشبه، واذا كان من واجبنا ان نؤثر احدهما علي الاخر، فلا ريب في ان الايثار يتجه الي العامة وهذا يتوقف علي ما يبدونه من درجة احترام كثرت او قلت، للقوانين التي يعيش الفريقان في ظلها . ومن اقواله ايضا: ولا ريب في ان هناك مبررا قويا حمل الناس علي تشبيه صوت الشعب بصوت الله، وذلك لأن الرأي العام يكون دقيقا الي حد كبير في دلالاته واشاراته، مما يرمز الي ان قوة خفية توحي الي الشعب مقدما بما سيصيبه من شر او خير . ومن اقواله كذلك: ودللت الوقائع ايضا علي ان العامة احسن قدرة علي التمييز من الامير في موضوع اختيار الحكام اذ لا يمكن اقناع الشعب مطلقا، بأن من الخير ان يختار لأحد هذه المناصب رجلا عرفت عنه الخلاعة والعادات الفاسدة، بينما قد يقتنع الامير، وغالبا ما يقتنع باجراء مثل هذا التعيين (المطارحات، الكتاب الاول ـ 52).

وفي كل الاحوال من الضروري ان نشير هنا الي انه عند اصدار الحكم علي نواقص ميكافيلي فانه لا يصح، كما لاحظ روتينبورغ عن حق، النظر الي افكاره السياسية والاجتماعية من علياء القرن العشرين، بل من خلال اسوار قلاع القرن السادس عشر الاقطاعية القائمة بعد من وجهة نظر اجتماعية (53).

فان ميكافيلي كله مجبول من طينة عصره، وعلمه السياسي يمثل فلسفة زمانه الذي يسعي الي تنظيم الملكيات الوطنية المطلقة (54).

واخيرا فان نواقص ميكافيلي المذكورة، وغيرها، تبقي في الواقع غير ملموسة او بالاحري طبيعية الي جانب النواحي الايجابية الكثيرة في منطلقاته الفكرية العميقة.



ميكافيلي والميكافيلية (2)

وفي هذا المجال ايضا اثبت ميكافيلي عمقا اكبر من غيره. فقد لعبت آراؤه دورا مهما في تطوير الدراسات التاريخية ونظرياتها، اذ تخطي في بحوثه حدود التفسير البراغماتي للاحداث في وقت مبكر، وبدأ ينظر الي الدولة وقوانينها نظرة واقعية نابعة من التجربة والتحليل لا من اللاهوت ونظرية الحق الالهي في الحكم، وآمن بحتمية الاحداث التاريخية وبالترابط فيما بينها بغض النظر عن ارادة المشــــتركين فيها.

ففي كتابه الضخم تاريخ فلورنسة يتتبع النضال بين الجماهير والارستقراطية علي طول مسيرة تاريخ ايطاليا. ومن هنا، اي من خلال بحثه عن العوامل المحركة للاحداث التاريخية بغض النظر عن ارادة الافراد الصرفة، تخطي ميكافيلي مؤرخي عصر النهضة وتقدم عليهم. ويكتسب هذا الامر اهمية اكبر اذا علمنا ان ميكافيلـــــي كتب التاريخ كسياسي قبل ان يكون مؤرخا، فانه يبتــــغي من التاريخ خدمة السياسة كعلم، لذا لم يهتم بسرد الاحداث الا ليستنبط منها الدروس والافكار (55).

لميكافيلي آراء سياسية واجتماعية قيمة اخري عن القوانين والديمقراطية وعن السياسي في انتصاره وهزيمته ودور الحظ في تقرير مصير الاحداث والاشخاص وما الي ذلك. وهو في كل معالجاته يحاول الغوص فيما وراء الاسرار وغير المرئيات وغالبا ما يمس القاع فيأتي منه بالجديد والجيد. فهل من تعبير اعمق وادق واكثر واقعية عندما يتحدث في فن الحرب عن الانتصار والهزيمة فيقول: يمحو النصر آثار اكثر الاعمال فشلا، فيما تجهض الهزيمة اكثر الخطط تنظيما ؟.

هكذا تميز نيكولو عن غيره في الكثير. وهكذا كانت مأثرته الاخيرة في الحياة التي هي ابلغ تجربة خاضها ميكافيلي بنجاح مما جعلها ورقة كاشفة اصيلة لتقييمه لم تجد، بكل اسف، ما يستحق من اهتمام المؤرخين (56).



الموضوع الرابع

التجربة

تخطي ميكافيلي الخامسة والخمسين من عمره عندما تعرضت بلاده الي غزوة اجنبية جديدة. ففي العشرينيات من القرن السادس عشر دخلت الحروب (1494 ـ 1559) التي جرت بين اسبانيا وفرنسا من اجل السيطرة علي ايطاليا، دخلت مرحلة خطيرة بظهور الملك الاسباني الطموح شارل الاول الذي كان يرنو الي اقامة امبراطورية مسيحية موحدة. واضطر البابا والفلورنسيون للتحالف مع الفرنســــــيين لدرء الخطر الداهم. ولكن الفرنسيين اندحروا امام الجيش الاسباني في المعركة الحاسمة التي جرت بين الطرفين في شباط (فبراير) 1525 ووقع الملك الفرنسي فرانسوا الاول في أسر القوات الاسبانية التي اصبحت الارض الايطالية مفتوحة امامها. وفي مثل هذا الوضع الحرج اختار القليل من اخلص الوطنيين الطليان سبيل المقاومة للحفاظ علي كرامة وطنهم المهدد، وقد كان ميكافيلي واحدا من ابرز هؤلاء الابطال.

تشهد مواقف ميكافيلي المتشعبة في تلك الايام الصعبة علي وطنية صادقة وشجاعة نادرة. فعندما بدأ التردد يجد طريقه الي نفوس الاكثرية، بما في ذلك شخص البابا، كان ميكافيلي يتوقد حماسة ويصر علي المقاومة ويحرض البابا كليمنت السابع للاضطلاع بالمهمة المشرفة، وبدأ يتنقل من مكان الي اخر ويكتب الرسائل تلو الرسائل، ويتصل بأهل السلطة ويحاول اقناعهم دون ان يمل او تقعده آثار مرضه، فقد نسي كل شيء وظل يفكر، كما ذكر بنفسه، في امر واحد فقط ـ انقاذ البلاد وضمان حريتها!. وآنذاك قدم مشروعين الي البابا احدهما يخص تحصين فلورنسة والثاني يستهدف تأسيس جيش شعبي في توسكانيا والمناطق البابوية.

كلما دنا الخطر اكثر، ازداد نيكولو نشاطا وقلقا. فبدأ يتصل بأصدقائه، ويستأنس بآراء المفكرين، كما اشترك بحماسة بالغة في تقوية استحكامات فلورنسة دون ان يفتر بسبب الموقف المتخاذل للدعاة السابقين. ويومذاك عندما كانت الاكثرية تربط الامور، تهربا، بالموقف الفرنسي، عبر ميكافيلي عن رأيه صراحة عندما قال اعتقد ان من واجبنا التسلح دون ادني تأخير وعدم انتظار ما تتخذه فرنسا من قرار (57).

لم يكتف نيكولو بكل ذلك، بل وضع خطة عمل تتفق مع ما يتطلبه الزمن من اتخاذ قرارات شجاعة، غير اعتيادية وغريبة (58). وهنا بحث باخلاص ودون ادني تملق عن الامير الجديد الجدير بأن يأخذ علي عاتقه المهمة الجليلة والصعبة التي من شأنها ان تبين للاصدقاء والاعداء معا ان ايطاليا علي اهبة الاستعداد للدفاع عن كرامتها. وقد اعترف البابا شخصيا بشجاعة خطة ميكافيلي، الا ان تردده واسبابا اخري غير ذلك حالت دون الاقدام علي اتخاذ القرار الحاسم.

لكن كل ذلك لم يفت في عضد ابن ايطاليا البار، فان الوطن في خطر و عليه ان يقدم له ذاته كاملا . الا ان غباء الحكام وترددهم وقصر نظرهم قد حال دون الاقدام، والعدو الاسباني يستغل الفرصة فيتقدم في الارض الايطالية وتقترب طلائعه من فلورنسة ولكن دون ان يدخل ذلك الرعب في نفس نيكولو المقدام الذي لم يتراجع، بل بدأ بوضع خطة جريئة جديدة تتلخص في الهجوم السريع علي نابولي وأسر نائب الملك الاسباني هناك وتجريد اتباعه وانصاره من السلاح والضغط من هناك علي الاسبان. الا ان البابا رفض هذا المشروع كذلك ليدفع الثمن فيما بعد غاليا، فقد دخل غريمه بومبيو كالونا، روما بمساعدة الجنود الاسبان الذين نهبوا الفاتيكان فلم يتمكن كليمنت السابع من انقاد جلده الا بشق الانفس. فجاء ذلك بمثابة الخطوة الاخيرة التي مهدت الطريق للهزيمة الساحقة في العام التالي.

مرة اخري لم يتراجع ميكافيلي، فقد نسي الماضي الاليم والشيخوخة والمرض والاسرة وبدأ يتردد بحماسة الشباب بين فلورنسة والجبهة عندما كان الاخرون يتراجعون ويعرضون انفسهم في سوق نخاسة رخيصة. انه يتصل ويحث ويحرر الرسائل الي اصدقائه وأهل الرأي، وهو في كل ذلك لم يغير كلمته: الوطن في خطر وعليه ان يقدم ذاته كاملا له، النضال حتي النهاية وعدم الرضوخ!! ان العاصفة تهب هوجاء، ولكن علي السفينة ان تمخر في عباب اليم ـ بهذا الاسلوب الرائع عبر نيكولو عن الواقع وعن موقفه عندما كانت جيوش العدو تقترب وتقترب (59). واذا لم يبق من مخرج امام الطليان، فعليهم ـ كما كان يؤكد ـ بالسلم مرفوعي الرأس لا بالاستسلام متخاذلين ـ وهنا ايضا لا بد من الامير الجديد الذي يعرف كيف يختار بين الحرب والسلم. من هذا يبدو واضحا ان ميكافيلي جمع، كأي مفكر اصيل، بين النظرية والتطبيق. فان جميع اعماله في ايام التجربة القاسية تنطبق مع اهم ما ورد في القسم الاخير من الامير حيث التحريض الحار لتحرير ايطاليا من البرابرة والامل المخلص في ان يختار الله شخصا لانقاذها (الامير، الباب السادس والعشرون).

هكذا كان ميكافيلي، وهكذا بقي ميكافيلي. فعندما كان اقرانه يقضون لياليهم حول موائد الخمر الدافئة و يبنون و يهدمون في الهواء ويتشككون في مواقف اخلص الناس واشرفهم، كان ميكافيلي يجابه الموت ويحرق الفكر ويجهد النفس في سبيل ايطاليا لانه كان صادقا في حبه لها مخلصا. فآنذاك تفتقت قريحته العبقرية عن قولته المشهورة: حبي لروحي دون حبي لوطني! .

ذهبت نشاطات الرسول الاعزل ، والذين كانوا في مستوي اخلاصه، هباء. استسلمت روما ولم يبق امام نيكولو بعد ان ادي الواجب مخلصا، سوي العودة الي قريته ليقضي الايام الاخيرة من عمره، ولكن ليثبت بموقفه الثابت والصريح والبعيد عن المساومة والتزلف والادعاء وبنشاطاته الخارقة في اصعب الظروف واشقها، ليثبت مرة اخري مــــن هو نيكــــولو دي بيرناردو ميكافيلي!.

وماذا عن موقف التوافه من حساد ميكافيلي الذين كانوا يراقبون الوضع من فوق التل لينضموا الي المنتصر في الوقت المناسب؟. انهم، وما كان بمستطاعهم ان يفعلوا غير ذلك، أثاروا شكوكا مصطنعة حول مواقف هذا الوطني الاصيل وجهدوا بروح انتهازية وضيعة لابعاده عن المنصب الذي رشح له قبل الاحداث الاخيرة.

يبقي سؤال آخر يفرض نفسه بالحاح: اذا كان هذا ديدن ميكافيلي وعبقريته، فكيف يجوز ان نقتنع بأن الموضوعـــــيين من خلق اللـــه لم يفهموه ولم يقيموه كما يجب؟ ولكن هل كان الامر هكذا؟



التقييم الارفع:

من أروع قوانين الحياة ان الحقيقة لا يمكن ان تحجب حتي النهاية. وهكذا كان الامر مع ميكافيلي. فان جميع الجهود والتحريفات ظلت عاجزة منذ البداية عن حجب حقيقة هذا المفكر عن اعين الفلاسفة والعلماء والموضوعيين من الناس الذين قرأوا له. وفي الواقع قلما تناول مفكر عظيم اسم ميكافيلي وافكاره الا بالثناء والمديح. فان الفيلسوف والعالم ورجل الدولة الانكليزي البارز فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) درس مؤلفات ميكافيلي بامعان وتأثر في طريقته الاستقرائية بما ورد فيها من آراء جديدة كليا في بابها (60). وكان بيكون اول من ادرك ان ميكافيلي تناول الاشخاص كما هم في الواقع لا كما يجب ان يكونوا في الخيال، فكتب بهذا الصدد يقول:

يجب علينا ان نكون شاكرين لميكافيلي ومن هم علي شاكلته من الكتاب الذين رسموا بصراحة ودون تصنع ما يفعله الناس عادة وليس ما عليهم ان يفعلوه (61).

وفي عنفوان الحملة المضادة لميكافيلي (62) تطرق عدد من المؤلفين الي افكاره وقيموها عاليا. فقد عرض لييسموس في مؤلفه الكتب السياسية الذي نشره عام 1590، عرض افكار ميكافيلي حول موقع الدين في السياسة والدولة. وفي العام 1613 كتب ك. شوبييه عن آراء ميكافيلي حول ضرورة الفصل بين قضايا السياسة والفضيلة. وبعده بعقدين تطرق جبرائيل نودييه الي الاسلوب السياسي لدي ميكافيلي وبيّن انه لم يبحث عن امير ارهابي، بل عن حاكم ناجح من نوع جديد يحتاجه الوطن.

ويأتي الفيلسوف والرياضي الفرنسي المعروف ديكارت (1596 ـ 1650) من بين المفكرين الاوائل الذين تأثروا بميكافيلي. فانه صاغ رأيه حول الاساليب العادلة للحاكم في النظام المطلق المتنور بتأثير من افكار ميكافيلي. وقد توصل الاخير قبل الفيلسوف الانكليزي توماس هوبس (1588 ـ 1679) بفترة طويلة الي تحديد دور انانية الفرد وطموحاته ورغبته في الحفاظ علي ذاته، في اقامة الحكومات مما ترك اثره علي فكر الفيلسوف الانكليزي. وجون لوك (1632 ـ 1704) فيلسوف انكليزي آخر تأثر بدوره ببعض من افكار ميكافيلي. واذا تذكرنا موقف الادب الانكليزي من نيكولو وتشويهه سمعته علي نطاق واسع في انكلترا، فهمنا الأهمية الكبيرة لتقييم هؤلاء الفلاسفة الذين وضعوا اليد بثاقب نظرهم علي روح مؤلفات ميكافيلي واهدافه البعيدة من كل ما ورد فيها.

أشاد بميكافيلي ابرز فلاسفة ومفكري عصر التنوير والتحرك القومي الاوروبي، منهم الكاتب والمؤرخ والفيلسوف الفرنسي فولتير (1694 ـ 1778) والانسكلوبيدي المعروف ديدور (1713 ـ 1784) والفيلسوف والكاتب والموسيقي الفرنسي جان جاك روسو (1712 ـ 1778) والشاعر والمفكر والرائد القومي الالماني غوته (1749 ـ 1820) كما شهد له هيغل بالعبقرية. وان الاول، الذي كان يعرف كيف يرضي الملوك، حرض فردريك الكبير علي تأليف كتابه عن ميكافيلي بعد ان اشاد به في رسائله الخاصة له، وذلك لأنه ادرك ما يمكن لمثل ذلك الكتاب ان يجلب من شهرة لصديقه الملك الالماني. اما روسو فقد اعطي تقييما عميقا لميكافيلي عندما ذكر عنه في اشهر مؤلفاته العقد الاجتماعي (الجزء الثالث، الفصل السادس) ما نصه:

كان ميكافيلي يتظاهر باعطاء دروس للملوك بينما كان يعطي دروسا عظيمة للشعوب. ان الامير كتاب الجمهوريين وما اختاره بطله المكروه يدل بوضوح علي نية الكاتب الخفية، ثم ان منع بلاط روما لنشر كتابه له دلالته، فان المؤلف يصف هذا البلاط دون لبس .

قيم مؤسسا الاشتراكية العلمية كارل ماركس وفردريك انجلس افكار ميكافيلي عاليا اكثر من مرة. فان ماركس قرأ مؤلفاته بامعان، ولا سيما المطارحات التي اقتبس منها معلومات كثيرة فيما يتعلق بوضـــع النبلاء في فلورنسة والبندقية (62). وفي رسالة له الي انجلس سمي الامير بـ المؤلف الرفيع ذلك لأن صاحبه واحد من الذين بدأوا ينظرون الي الدولة بعين انسان ويستخلصون قوانينها من العقل والتجربة، لا من اللاهوت .

اما انجلس فقد اطلق علي اربعة من ابرز اعلام النهضة هم الرسام الايطالي الخالد ليوناردو دافنيشي والمصلح الديني الكبير مارتن لوثر وابرز رسامي المانيا في ذلك العصر البريخت دورير (Durer) مع ميكافيلي لقب عمالقة النهضة التي احتاجت للعمالقة وخلقت العمالقة . كما اعجب كثيرا بكتابه فن الحرب الذي سماه بـ مارسيليز القرن السادس عشر فقد كان ميكافيلي في نظره اول كاتب حربي في العصر الحديث جدير بالذكر .

وفي عصرنا أشاد العشرات، بل المئات من المفكرين والمؤرخين الغربيين بأفكار ميكافيلي وكرسوا لدراستها العديد من البحوث والرسائل العلمية تعود الي تفاصيل بعضها بعد عرض موجز للسياسة الذين تأثروا بمؤلفات ميكافيلي مع بعض المواضيع الاخري.


............................













توقيع : الكثيري

عرض البوم صور الكثيري   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2011, 08:30 AM   المشاركة رقم: 2

معلومات العضو

الكاتب:
طاغور
اللقب:
عضو مميز
الرتبة:

بيانات العضو

التسجيل: Nov 2010
العضوية: 7788
المواضيع: 110
المشاركات: 921
المجموع: 1,031
مشاركات اليوم: لايوجد
بمعدل : 0.34 يوميا
نقاط التقييم: 10

آخر مواضيعي


احفظ وشارك

تابعني على:

تابعني على:
مواقع النشر:
Bookmark and Share
 

معلومات الإتصال

وسائل الإتصال:
الحالة:
طاغور غير متصل

كاتب الموضوع : الكثيري المنتدى : دائـــــــــرة السيـــــاســـــــة


شكرا لك على هذا النقل الجميل والمفيد وأعتبره زبدة الحديث عن مكيافيللي ..

أعتقد أن هذا الجزء هو من ساهم بشكل اكبر في خلق صورة سلبية عن مكيافيللي وأفكاره

لعب الحكام الميكافيليون دورا لا يقل خطورة عن دور الجزويت في تشويه سمعة نيكولو. فان هؤلاء كانوا يختارون ما يناسبهم من آراء ميكافيلي متجاهلين في الغالب ما وضع من ضوابط لتصرفات الحكام.
ويتجلي هذا في كتابه الامير - الباب 17 في حديثه عن اللين والشده حيث قال:

على الامير أن يجعل نفسه مهابا إن لم يحصل على الحب ولكن قبل ذلك يجب على الامير أن لا يأمر بإعدام أي شخص الا بعد التأكد من وجود المبررات وان لا يتدخل في شئوون رعاياه وعدم الاستيلاء على أملاك غيره لان الانسان ينسى موت أبيه ولا ينسى سلب ثروته.


وفي الباب 18 -- كيف يصون الامراء عهودهم يقول :

كلنا نعرف مدى الثناء الذي يناله الامير الذي يحفظ عهده ويحيا حياة مستقيمة دون مكر. لكن تجارب عصرنا هذا تدل على أن أولئك الامراء الذين حققوا أعمالا عظيمة هم من لم يصن العهد إلا قليلا . وهم من استطاع ان يؤثر على العقل بما له من مكر .. وعلى الامير يعرف حق المعرفة كيف يستخدم كلتا الطريقتين.












توقيع : طاغور

"مــا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"
http://www.youtube.com/watch?v=6UKYw...feature=relmfu

عرض البوم صور طاغور   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2011, 09:52 AM   المشاركة رقم: 3

معلومات العضو

الكاتب:
الكثيري
اللقب:
شخصية VIP
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الكثيري

بيانات العضو

التسجيل: Jun 2006
العضوية: 2031
المواضيع: 189
المشاركات: 4964
المجموع: 5,153
مشاركات اليوم: لايوجد
بمعدل : 1.10 يوميا
نقاط التقييم: 10

آخر مواضيعي


احفظ وشارك

تابعني على:

تابعني على:
مواقع النشر:
Bookmark and Share
 

معلومات الإتصال

وسائل الإتصال:
الحالة:
الكثيري غير متصل

كاتب الموضوع : الكثيري المنتدى : دائـــــــــرة السيـــــاســـــــة


المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طاغور مشاهدة المشاركة
شكرا لك على هذا النقل الجميل والمفيد وأعتبره زبدة الحديث عن مكيافيللي ..

أعتقد أن هذا الجزء هو من ساهم بشكل اكبر في خلق صورة سلبية عن مكيافيللي وأفكاره



ويتجلي هذا في كتابه الامير - الباب 17 في حديثه عن اللين والشده حيث قال:

على الامير أن يجعل نفسه مهابا إن لم يحصل على الحب ولكن قبل ذلك يجب على الامير أن لا يأمر بإعدام أي شخص الا بعد التأكد من وجود المبررات وان لا يتدخل في شئوون رعاياه وعدم الاستيلاء على أملاك غيره لان الانسان ينسى موت أبيه ولا ينسى سلب ثروته.


وفي الباب 18 -- كيف يصون الامراء عهودهم يقول :

كلنا نعرف مدى الثناء الذي يناله الامير الذي يحفظ عهده ويحيا حياة مستقيمة دون مكر. لكن تجارب عصرنا هذا تدل على أن أولئك الامراء الذين حققوا أعمالا عظيمة هم من لم يصن العهد إلا قليلا . وهم من استطاع ان يؤثر على العقل بما له من مكر .. وعلى الامير يعرف حق المعرفة كيف يستخدم كلتا الطريقتين.

شكر لمرورك الراقي اخي الكريم طاغور ..
ان كل مانراه اليوم في العالم العربي .. ماهي الا ثقافة بالية تجاوزها الغرب .. بعد صراعات .. وهذا الفيلسوف الايطالي .. قد ابدع في كتابه الامير .. وهذا نهج لازال مطبق بشكل كبير في عالمنا العربي .. الذي في الوقت ذاته نبذه الغرب من بعد الحرب العالمية الثانية .. واصبحت الشعوب تحكم وتتحكم في صناع القرار .. ولى لديهم زمان الاستبداد .. ولازال لدينا .. وان شاء الله ان الشعوب استعادة ثقتها في نفسها ..
شكرلك . وحياك الله .












توقيع : الكثيري

عرض البوم صور الكثيري   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:46 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. , TranZ By Almuhajir

( كل ما يكتبه العضو في هذا المنتدى إنما يعبر عن وجهة نظره الشخصية وليس بالضرورة أن يعبر عن وجهة نظر إدارة منتديات بني مالك الثقافية )

منتديات بني مالك الثقافية" 1/1/ 1425هـ "